بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد الاستعداد لكأس العالم 2030 مرتبطاً فقط بوتيرة الأشغال، وجاهزية الملاعب، وشبكات النقل، وقدرة الدول المنظمة على استقبال ملايين المشجعين.
فقبل أقل من أربع سنوات من صافرة البداية، فتح مجلس أوروبا نقاشاً أكثر حساسية يتعلق بالجهة التي ستحمي نزاهة البطولة من الضغط السياسي، وغموض القرارات، واتساع نفوذ المراهنات داخل كرة القدم.
وفي بيان رسمي أصدره أمس الأحد 19 يوليوز 2026، بالتزامن مع نهائي كأس العالم، دعا الأمين العام لمجلس أوروبا، آلان بيرسيه، الاتحاد الدولي لكرة القدم إلى إطلاق مسار عاجل لإعداد إطار شامل لنزاهة مونديال 2030، الذي سينظمه المغرب وإسبانيا والبرتغال.
وحمل البيان عنوان «قبل صافرة النهاية»، لكنه وجّه نظره عملياً إلى ما بعد نهاية مونديال 2026، معتبراً أن البطولة انتهت فوق المستطيل الأخضر، بينما بقيت خلفها أسئلة ثقيلة حول حدود النفوذ السياسي، واستقلال الأجهزة التأديبية، وشفافية القرارات، والعلاقة المتسارعة بين كرة القدم وأسواق المراهنات.
ولخص بيرسيه مصدر القلق في عبارة مباشرة: «الأزمة المقبلة لها اسمان: المال والسلطة».
وأشار المسؤول الأوروبي إلى عدد من الوقائع التي غذّت هذه المخاوف، من بينها تعليق عقوبة رياضية تحت الضغط وفي ظرف وجيز، من دون نشر التعليل الكامل للقرار، إلى جانب التشكيك في سلطة الحكام، وتعرض لاعبين لإساءات عنصرية صدرت، في بعض الحالات، عن مسؤولين منتخبين.
كما حذر من توسع المراهنات داخل كرة القدم، بعدما لم تعد تقتصر على نتيجة المباراة، بل امتدت إلى تفاصيل دقيقة من قبيل البطاقات، والتمريرات، والضربات الركنية، وهي وقائع قد يستطيع لاعب واحد التأثير فيها من دون تغيير النتيجة النهائية للمواجهة.
وتوقف البيان بشكل خاص عند قرار «فيفا» تعليق تنفيذ عقوبة مهاجم المنتخب الأمريكي فولارين بالوغون، عقب تدخل معلن من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدى رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم.
وكان القرار الأصلي يقضي بحرمان اللاعب من المشاركة أمام بلجيكا، قبل تعليق تنفيذ العقوبة والسماح له بخوض المباراة، فيما لم تنشر «فيفا»، إلى حدود صدور بيان مجلس أوروبا، الوثائق التفصيلية التي تشرح الأساس الكامل الذي اعتمد عليه جهازها التأديبي.
وبالنسبة إلى بيرسيه، فإن القضية تتجاوز لاعباً أو مباراة بعينها، لأن خضوع القواعد للضغط السياسي لا يهدد صورة المؤسسة فقط، بل يزرع الشك في عدالة المنافسة نفسها.
ولم تقتصر مخاوف مجلس أوروبا على الجانب التأديبي، إذ شملت أيضاً دخول أسواق التوقعات والمراهنات إلى منظومة الرعاية الرسمية للبطولة.
وكانت «فيفا» قد أعلنت، في أبريل الماضي، توقيع اتفاق شراكة متعدد السنوات مع منصة «ADI Predictstreet»، لتصبح شريكاً رسمياً في مجال أسواق التوقعات، من دون الكشف عن القيمة المالية للعقد.
ورأى بيرسيه أن تحويل كل حركة داخل الملعب إلى فرصة للمراهنة يفتح مجالاً أوسع للاحتيال والتلاعب، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتفاصيل صغيرة يمكن التأثير فيها من دون أن تثير بالضرورة الشكوك المرتبطة بتغيير نتيجة المباراة.
وأمام هذه المخاطر، اقترح الأمين العام لمجلس أوروبا إطلاق ما سماه «شوطاً ثالثاً»، لا يجري فوق أرضية الملعب، بل داخل المؤسسات، من خلال حوار عاجل مع «فيفا» لإعداد إطار شامل يحصن مونديال 2030 قبل إقامة أولى مبارياته.
واستند بيرسيه في دعوته إلى تجارب سابقة لمجلس أوروبا في مواجهة أزمات رياضية كبرى، من بينها وضع اتفاقيات دولية تتعلق بسلامة الجماهير، ومكافحة المنشطات، والتصدي للتلاعب في المنافسات الرياضية.
وأوضح البيان أن اتفاقية سلامة المباريات وقعتها 39 دولة، فيما أصبحت اتفاقية مكافحة المنشطات ملزمة لـ52 دولة، ووقعت 43 دولة اتفاقية مكافحة التلاعب في المنافسات، التي يقدمها مجلس أوروبا باعتبارها الاتفاقية الدولية الملزمة الوحيدة المخصصة لمواجهة التلاعب الرياضي.
وتضع هذه الدعوة المغرب في صلب النقاش المنتظر، باعتباره أحد البلدان الثلاثة التي ستتحمل المسؤولية الرئيسية عن تنظيم مونديال 2030، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، بينما تستضيف الأرجنتين والأوروغواي والباراغواي مباراة واحدة لكل بلد في افتتاح النسخة المئوية للمسابقة.
ولا يتضمن بيان مجلس أوروبا أي اتهام للمغرب أو لباقي الدول المنظمة، لكنه يرفع سقف المتطلبات مبكراً، وينقل النقاش من سؤال الجاهزية التقنية إلى سؤال أكثر تعقيداً: من سيحمي نزاهة البطولة حين تلتقي مصالح السياسة، والمال، والمراهنات، والقرارات غير المعللة؟
فمونديال 2030 قد ينجح في تشييد ملاعب حديثة وربط المدن بشبكات نقل متطورة، لكن صورته لن تُحمى بالإسمنت وحده. النزاهة تحتاج بدورها إلى بنية تحتية، وإلى قواعد شفافة، وأجهزة مستقلة، وقرارات لا تتغير تحت ضغط النفوذ.
