فجّر الكاتب والباحث المغربي إدريس الكنبوري نقاشاً حاداً حول طريقة تدبير الحقل الديني في المغرب، منتقداً ما اعتبره تناقضاً بين تشدد وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في مراقبة تفاصيل أداء الأئمة داخل المساجد، وبين التساهل مع الزوايا وتحركات بعض من وصفهم بـ«المشايخ»، وسط أسئلة متزايدة حول أدوار هذه المؤسسات والأموال الموجهة إليها ومستوى خضوعها للرقابة والمساءلة.
الكنبوري لم يوجّه انتقاده إلى التصوف باعتباره تجربة روحية وتربوية، بل ميّز بوضوح بين «التصوف الجنيدي» وبين نمط آخر قال إنه تحول إلى أداة مجندة لخدمة أهداف سياسية وتربية الأتباع على الخضوع، في توصيف يفتح سؤال العلاقة بين الدين والسلطة وحدود توظيف الزوايا داخل المشهد العمومي.
وكتب الكنبوري، في تدوينة نشرها على صفحته بموقع «فيسبوك»: «أتعجب لواقع الإسلام في بلدنا، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لا تكف عن تنبيه الأئمة إلى الصلاة بين القبض والسدل والتسليمة على الطريقة المالكية وغيرها من الأمور التي فيها اتساع، ولا تكف عن توقيف الأئمة الذين يخرقون تلك التوجيهات».
ووضع صاحب التدوينة هذه الصرامة في مواجهة ما اعتبره صمتاً رسمياً عن ممارسات أكثر خطورة داخل بعض الزوايا، مضيفاً: «بينما تغدق الأموال على الزوايا رغم الرزايا، وتسكت عن الخروقات العظيمة التي تجري بداخلها، وتسمح الدولة بتحركات “المشايخ” في البلاد وفي الخارج وبالزيارات التي لا تتوقف لمقراتها، بينما تشمع بيوت أعضاء من جماعة العدل والإحسان منذ سنوات».
بهذه المقارنة، ينقل الكنبوري النقاش من الخلاف الفقهي حول هيئة الصلاة والتسليم إلى سؤال المساواة أمام القانون: لماذا تُراقب التفاصيل الدقيقة داخل المساجد، بينما تبقى أنشطة الزوايا وتمويلاتها وعلاقاتها وشبكات نفوذها بعيدة، بحسب انتقاده، عن الدرجة نفسها من التدقيق والمساءلة؟
كما توقف الباحث المغربي عند مفارقة منع تأسيس الأحزاب على أساس ديني، مقابل السماح بتأسيس الزوايا وتوسيع مقراتها من دون إثارة الحساسية السياسية والقانونية ذاتها.
وكتب ساخراً: «وفي الوقت الذي تمنع تأسيس أحزاب على أساس ديني، تسمح لأي متمشيخ بتأسيس زاوية وبناء مقرات فخمة وتعلية حيطانها».
ولا تعني هذه العبارات اتهاماً قضائياً محدداً لزاوية بعينها، بقدر ما تعبر عن موقف نقدي لصاحب التدوينة تجاه السياسة الدينية الرسمية ومعايير تعاملها مع الفاعلين الدينيين.
غير أن حدة الصياغة تعكس اعتراضاً واضحاً على ما يراه الكنبوري انتقائية في الرقابة: إمام قد يواجه التوقيف بسبب مخالفة توجيه متعلق بهيئة الصلاة، بينما يستطيع شيخ زاوية، وفق تصويره، توسيع حضوره وتنظيم زياراته وبناء شبكته، وسط ما يعتبره تساهلاً رسمياً وتمويلاً غير مصحوب بالقدر نفسه من الرقابة والمساءلة.
وبعبارة أكثر حدة، لخص الكنبوري موقفه قائلاً: «التصوف الجنيدي المظلوم تحول إلى تصوف مجند ملغوم، يجري تجنيده لأهداف غير التربية والسلوك، لخدمة السلوك السياسي والتربية على الخنوع».
الجملة لا تهاجم التراث الصوفي الجنيدي، بل تقول إن هذا التراث جرى، بحسب رأي الكاتب، إخراجه من مجال تزكية النفس والتربية الروحية وإدخاله إلى مجال التعبئة السياسية وصناعة الطاعة.
وهنا يصبح السؤال المطروح متعلقاً بالوظيفة التي تؤديها بعض الزوايا داخل المجال العام: هل تربي أتباعها على الاستقلال الأخلاقي ومواجهة الظلم، أم تتحول إلى شبكات لتدجين المجتمع وتحصين الواقع القائم؟
وختم الكنبوري تدوينته بسخرية مباشرة من خطاب «الأسرار» و«البركة» و«الدعوة المستجابة» الذي يحيط به بعض المشايخ أنفسهم، قائلاً: «كل متمشيخ يدعي أن لديه سراً بينه وبين الله، ودعوة مستجابة، ولكن لماذا لا يتطوع صاحب السر مع الله أن يخبره بما يجري للعباد، ولماذا لا يستخدم صاحب الدعوة المستجابة دعوته لرفع الظلم والفساد وإحقاق العدل؟».
بهذا السؤال، يضع الكنبوري الخطاب الروحي أمام اختبار أخلاقي وسياسي صريح: إذا كانت الزوايا تدّعي تربية الناس على القرب من الله، فأين صوتها عندما يتعلق الأمر بالظلم والفساد وحقوق العباد؟ وإذا كانت الدولة تمنع تحويل الدين إلى حزب سياسي، فبأي منطق تسمح بتحويله، وفق انتقاده، إلى شبكات نفوذ لا تخضع للقدر نفسه من الشفافية والمحاسبة؟
تدوينة الكنبوري لا تدعو إلى التضييق على التصوف أو إغلاق الزوايا، لكنها تطالب، في جوهرها، بإنهاء ازدواجية المعايير: ألا يُختزل ضبط الحقل الديني في مراقبة طريقة وضع الإمام ليديه أثناء الصلاة، بينما تظل الأسئلة الكبرى المتعلقة بالتمويل والنفوذ والتوظيف السياسي والمساواة أمام القانون بلا أجوبة علنية.
