بقلم: الباز عبدالإله
لم تجد الحكومة، أمام استمرار غلاء اللحوم الحمراء، وصفة جديدة غير العودة إلى الأداة نفسها التي أحاط بها الجدل طوال السنوات الماضية: إعفاء الواردات من الرسوم، وتوسيع العرض نظرياً، ثم انتظار انخفاض قد يصل إلى المواطن، وقد يضيع بين الميناء والمسلخ وسوق الجملة ومحل الجزارة.
صادق مجلس الحكومة، اليوم الأربعاء 22 يوليوز 2026، على مشروع المرسوم رقم 2.26.584، القاضي بوقف استيفاء رسم الاستيراد المفروض على الأغنام الأليفة الحية، وعلى لحوم الأبقار والأغنام والماعز والجمال، إلى جانب تغيير الرسم المفروض على أحشاء الحيوانات الأليفة من هذه الفصائل.
بلغة أبسط، يمهد المشروع، بعد استكمال مسطرة دخوله حيز التنفيذ ونشره في الجريدة الرسمية، لدخول الأغنام واللحوم المعنية دون تحصيل رسم الاستيراد المطبق عليها.
أما بالنسبة إلى الأحشاء، فاكتفى البلاغ الحكومي بالحديث عن «تغيير» الرسم، دون أن يكشف نسبته الجديدة أو تفاصيل تطبيقه.
المستورد حصل بذلك على وعد واضح بالإعفاء، بينما لم يحصل المواطن على جواب عن السؤال الذي يهمه: كم سينخفض ثمن الكيلوغرام؟ ومتى سيظهر الانخفاض؟ وكيف ستمنع الحكومة احتجاز قيمة الإعفاء داخل جيوب حلقات الاستيراد والذبح والتوزيع؟
يأتي القرار بينما تجاوز ثمن لحم الأغنام، وفق معطيات مهنية منشورة خلال يوليوز الجاري، 180 درهماً للكيلوغرام في عدد من محلات الجزارة، فيما بلغ لحم الأبقار نحو 130 درهماً، مع اختلاف الأسعار بين المدن ونوعية اللحوم ونقط البيع.
تكشف هذه الأرقام أن وفرة المراسيم والإعفاءات لم تنتج، حتى الآن، وفرة مماثلة في القدرة الشرائية للمغاربة.
والأكثر إثارة أن الحكومة لا تخوض التجربة للمرة الأولى، بل تعود إليها بعد إنفاق مئات الملايين من الدراهم على دعم استيراد الأغنام، وبعد اعتراف رسمي بأن إحدى أبرز صيغ ذلك الدعم لم تحقق النتيجة.
خلال سنتي 2023 و2024، خصصت الحكومة دعماً جزافياً بقيمة 500 درهم عن كل رأس غنم مستورد وموجه لعيد الأضحى.
وبلغت الكلفة المباشرة للعملية، وفق أحدث المعطيات الصادرة عن وزارة الفلاحة، 437 مليوناً و877 ألف درهم، موزعة بين 193 مليوناً و482 ألفاً و500 درهم سنة 2023، و244 مليوناً و394 ألفاً و500 درهم سنة 2024.
ومكنت العملية من دعم استيراد 875 ألفاً و754 رأساً من الأغنام، توزعت بين 386 ألفاً و965 رأساً سنة 2023، و488 ألفاً و789 رأساً سنة 2024.
وقالت الوزارة إن 247 مستورداً تقدموا بطلبات للمشاركة، قبل قبول 153 مستورداً مستوفياً للشروط.
ولم يكن الدعم النقدي البالغ 500 درهم هو الامتياز الوحيد، بل تزامن مع تعليق الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة.
دخلت الأغنام، وصُرفت الملايين، واستفاد المستوردون من الدعم الجزافي والإعفاءات، لكن الأسعار لم تنخفض إلى المستوى الذي انتظره المواطن.
بل إن الحكم الأقسى على التجربة لم يصدر عن المعارضة، وإنما جاء من داخل الحكومة نفسها.
فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، أقر أمام لجنة المالية بمجلس النواب، يوم 31 أكتوبر 2024، بأن دعم 500 درهم المخصص لكل رأس غنم مستورد «لم يأت بنتيجة»، معلناً أن الحكومة حذفته.
وقال لقجع حينها إن الهدف لم يكن «إغناء فلان وفلان»، مضيفاً أن الجميع يتفق على النتيجة رغم «المجهودات الجبارة مالياً». ولم تكن العبارة مجرد دفاع سياسي، بل إقراراً بأن المال العمومي خرج، والأغنام دخلت، لكن النتيجة المعلنة للمواطن لم تتحقق.
بعد أقل من عامين على ذلك الاعتراف، تعود الحكومة إلى الباب نفسه، وإن بصيغة مختلفة.
لم تعد تقدم 500 درهم نقداً عن كل رأس، لكنها تصادق على امتياز اقتصادي جديد عند الحدود عبر وقف تحصيل رسم الاستيراد.
تغير شكل التدخل، أما السؤال القديم فلم يتغير: من سيستفيد في النهاية؟
الإعفاء الجمركي يخفض كلفة الاستيراد، لكنه لا يفرض تلقائياً خفض سعر البيع.
وإذا لم تُنشر كلفة وصول اللحوم إلى المغرب، ولم تُراقب هوامش التوزيع، ولم يُتتبع مسارها من المستورد إلى الجزار، فقد يتحول الامتياز العمومي إلى فارق إضافي في الربح، بدل أن يتحول إلى تخفيض في فاتورة الأسرة.
لم يعلن بلاغ الحكومة الكميات التي سيشملها القرار، ولا عدد المستوردين المتوقع استفادتهم منه، ولا الدول التي ستأتي منها الأغنام واللحوم، ولا كلفة الاستيراد المرجعية، ولا السعر الذي تستهدفه الحكومة في أسواق الجملة والتقسيط.
والأهم أنه لم يكشف عن أي التزام سعري يضمن انعكاس الإعفاء على المستهلك، أو عن آلية خاصة لتتبع الأسعار وهوامش الربح المرتبطة بالواردات المعفاة.
هنا يكمن الخلل الذي رافق التجارب السابقة: الدولة تتدخل عند بوابة الاستيراد، لكنها تترك السلعة بعد ذلك تعبر سلسلة طويلة من الوسطاء، قبل أن تصل إلى المواطن بسعر قد لا يعكس الامتياز الذي حصل عليه المستورد.
كيف ستعرف الأسرة المغربية أن قطعة اللحم التي اشترتها استفادت أصلاً من إعفاء جمركي؟ وكيف ستتحقق من أن قيمة الرسم الذي لم تؤده الشركة المستوردة خُصمت من الثمن النهائي؟ وأين هي الفاتورة أو العلامة أو منصة التتبع التي تربط بين الشحنة المعفاة واللحوم المعروضة في الأسواق؟
لا يقدم البلاغ الحكومي جواباً.
وتزداد الصورة التباساً بسبب الجدل السابق حول الكلفة الحقيقية لامتيازات استيراد الماشية.
فقد تحدثت أطراف سياسية عن مبالغ تقارب 13 مليار درهم، باحتساب قيمة الرسوم الجمركية والضرائب التي لم تُحصّل على واردات الأبقار والأغنام، إلى جانب الدعم النقدي المباشر.
وزارة الفلاحة رفضت تقديم هذا الرقم باعتباره دعماً مالياً مباشراً، وأكدت أن ما صُرف فعلياً من الميزانية لدعم استيراد أغنام عيد الأضحى خلال 2023 و2024 بلغ 437 مليوناً و877 ألف درهم.
واعتبرت الوزارة أن الأرقام الأكبر تخلط بين الدعم النقدي المباشر وبين القيمة النظرية للرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة التي جرى تعليقها.
كما قالت إن الرسوم السابقة، التي كان بعضها يصل إلى 200 في المائة، كانت ذات طبيعة حمائية ولم تكن تدر على الخزينة موارد فعلية بالحجم الذي احتسبه منتقدو العملية.
لكن الخلاف المحاسباتي لا يلغي حقيقة اقتصادية بسيطة: إعفاء المستورد من رسم كان سيُطبق على بضاعته يمنحه امتيازاً ويخفض كلفة الاستيراد، سواء وصفته الحكومة بالدعم، أو بالإعفاء المؤقت، أو بالمداخيل غير المحصلة.
وإذا كان المستهلك هو «المستفيد الرئيسي»، كما تؤكد وزارة الفلاحة، فمن حقه أن يرى هذا الامتياز في الثمن، لا أن يبحث عنه داخل البلاغات الحكومية وجداول الجمارك.
تبرر الحكومة الاستيراد بتراجع القطيع، وتوالي سنوات الجفاف، وارتفاع أسعار الأعلاف، والحاجة إلى ضمان تموين السوق.
وهي مبررات لها أساس واقعي، خصوصاً بعد تراجع أعداد الأبقار بنحو 30 في المائة مقارنة بالمستويات المعتادة.
لكن استمرار معالجة أزمة القطيع الوطني بواسطة البواخر والشاحنات القادمة من الخارج يطرح سؤالاً عن حصيلة السياسات الفلاحية نفسها: كيف تحول بلد استثمر عشرات المليارات في الفلاحة إلى سوق ينتظر الأغنام واللحوم والأعلاف المستوردة حتى يضمن تموين مواطنيه؟
الإعفاء قد يخفف أزمة مؤقتة، لكنه لا يعيد بناء القطيع، ولا يخفض كلفة الأعلاف، ولا يحمي صغار المربين، ولا يعالج تعدد الوسطاء، ولا يمنع المضاربة.
وقد يزيد ضغط المنافسة على الكسابة المحليين إذا وجدوا أنفسهم في مواجهة واردات تستفيد من امتيازات جمركية، دون أن يحصلوا هم على دعم مماثل يخفض كلفة الأعلاف والتربية والنقل والتسويق.
الحكومة مطالبة، قبل الاحتفال بزيادة العرض، بنشر لائحة المستفيدين، والكميات المستوردة، وقيمة الرسوم التي لم تُحصّل، وأسعار وصول اللحوم، وهوامش التوزيع، ونقط بيع المنتجات المستوردة.
فالمحاسبة لا تبدأ بعد ظهور الفشل، بل قبل منح الامتياز.
والبرلمان مطالب بتتبع نتائج المرسوم بالأرقام، لا بالاكتفاء بتمرير الإعفاء ثم انتظار عودة الجدل: كم انخفض سعر الجملة؟ وكم انخفض سعر التقسيط؟ ومن استفاد؟ وكم استورد؟ وما الفارق بين كلفة دخول اللحوم وثمن بيعها؟
لا ينبغي أن يتحول المستهلك مرة أخرى إلى الغائب الوحيد عن سياسة قيل إنها وُضعت أساساً لحمايته.
التجربة السابقة قدمت دعماً مباشراً وإعفاءات، ثم انتهت باعتراف لقجع بأن دعم 500 درهم للرأس لم يأت بنتيجة.
أما التجربة الجديدة فتبدأ بالمصادقة على إعفاء أوسع، لكن من دون ضمانة معلنة بأن فارق الكلفة سيصل إلى جيب المواطن.
بعد 437 مليوناً و877 ألف درهم من الدعم المباشر، وأكثر من 875 ألف رأس مستورد، وسنوات من تعليق الرسوم والضرائب، لا تحتاج الحكومة إلى تكرار الوعود نفسها.
تحتاج إلى أن تقول للمغاربة بوضوح: كم كان ثمن اللحم قبل الإعفاء، وكم سيصبح بعده؟
أما إذا دخلت الأغنام واللحوم دون رسوم، وظلت الأسعار عند 130 و180 درهماً للكيلوغرام، فلن يكون السؤال: لماذا لم ينجح الاستيراد؟
بل: من ابتلع قيمة الإعفاء قبل أن تصل إلى موائد المغاربة؟
