بقلم: الباز عبدالإله
وضعت قضايا تسريب الامتحانات حكومتي الهند والمغرب أمام اختبار يتجاوز سلامة أوراق الأسئلة إلى قدرتهما على حماية الثقة في الاستحقاق وتكافؤ الفرص. ففي الهند، أدى ثبوت تسريب امتحان «NEET-UG 2026» لولوج كليات الطب إلى إلغائه وإعادته لأكثر من مليوني مترشح، قبل أن تتحول القضية إلى احتجاجات واسعة ومطالب باستقالة وزير التعليم ومحاسبة المسؤولين.
أما في المغرب، فأعاد تسجيل سمعي بصري متداول ملف نزاهة المباريات إلى الواجهة، بعدما تضمن ادعاءات بشأن تمكين بعض المترشحين من أجوبة المباراة الموحدة لولوج كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان أثناء اجتيازها.
وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار أعلنت أن الجهات القضائية المختصة بادرت إلى فتح تحقيق في الوقائع المتداولة، مؤكدة أنها ستتخذ، على ضوء نتائجه، جميع التدابير التي يفرضها القانون لحماية مصداقية المباراة وصون مبدأي الاستحقاق وتكافؤ الفرص.
لا يعني فتح التحقيق أن التسريب وقع فعلاً، كما لا يثبت التسجيل، بمفرده، صحة الادعاءات أو هوية مستفيدين مفترضين. فالقضية المغربية لا تزال في مرحلة البحث، بخلاف الحالة الهندية التي ثبت فيها التسريب وأُعيد الامتحان.
غير أن التحرك القضائي الحالي يفتح نقاشاً أوسع بشأن طريقة تدبير شبهات مماثلة لاحقت مباريات المحاماة والتعليم والطب خلال ولاية حكومة عزيز أخنوش.
منذ تنصيب الحكومة في 7 أكتوبر 2021، تكررت وقائع خروج أسئلة وأجوبة إلى الهواتف ومجموعات «واتساب»، وتراوحت ردود السلطات بين الإحالة على القضاء، وفتح التحريات، وإعادة بعض الاختبارات، أو إصدار بلاغات لم تُعلن بالتفصيل نتائج ما ترتب عنها.
لذلك لا يتعلق السؤال بحقيقة التسجيل الحالي وحده، بل بمآل سلسلة من الملفات: كم تحقيقاً حُسم؟ وكم نتيجة نُشرت؟ ومن حوسب عندما ثبت المساس بتكافؤ الفرص؟
أبرز السوابق تعود إلى امتحان الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة المنظم يوم 4 دجنبر 2022.
فبعد انطلاق الاختبارات، انتشرت صور أوراق الأسئلة على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم ظهرت داخل مجموعات «واتساب» رسائل تجمع بين مواضيع الامتحان وأجوبة مقترحة.
وأفادت معطيات منشورة آنذاك بأن السماح لبعض المترشحين بمغادرة القاعات حاملين أوراق الأسئلة أتاح إرسالها إلى أشخاص خارج مراكز الامتحان لإعداد الأجوبة، قبل إعادة تداولها بينما كان مترشحون آخرون ما يزالون يجتازون الاختبارات.
ولم يكن معروفاً حينها حجم العملية أو مدى تأثيرها الفعلي في النتائج.
لا تثبت هذه الوقائع أن مواضيع المحاماة سُربت قبل فتح الأظرفة أو قبل انطلاق الامتحان، لكنها تطرح إشكالاً لا يقل خطورة: وصول الأسئلة والأجوبة إلى الهواتف أثناء استمرار المباراة.
ومع ذلك، لم يُنشر تحقيق رسمي يحدد مصدر الصور، وهوية الأشخاص الذين أعدوا الأجوبة، وما إذا كان مترشحون داخل المراكز قد استفادوا منها فعلاً.
اشتد الجدل بعد إعلان النتائج وظهور اتهامات بالمحسوبية والتلاعب، وهي اتهامات ظلت بحاجة إلى إثبات قضائي.
وزير العدل عبد اللطيف وهبي رفض حينها فتح تحقيق إداري، وقال: «لا وجود لجريمة من أجل فتحه»، مؤكداً ثقته في اللجنة المشرفة وفي التصحيح الآلي.
كما دافع وهبي عن نجاح ابنه بالإشارة إلى حصوله على شهادتين من كندا، مضيفاً أن والده «ميسور» وتكفل بمصاريف دراسته. وهو تصريح نقل النقاش من سلامة المباراة وحدها إلى طبيعة الخطاب الذي تواجه به الحكومة أسئلة المساواة والاستحقاق.
انتقل الملف لاحقاً إلى القضاء.
فقد أحال رئيس النيابة العامة، بتاريخ 5 يناير 2023، شكاية تقدم بها أحد المترشحين على المحامي العام الأول لدى محكمة النقض.
وعادت لجنة المتضررين لاحقاً للمطالبة بإخراج الشكاية من الحفظ، من دون صدور توضيح رسمي مفصل يكشف للرأي العام طبيعة الأبحاث المنجزة والأسباب التي قادت إلى هذا المآل.
مؤسسة وسيط المملكة دخلت بدورها على الخط، ورفعت تقريراً خاصاً إلى رئيس الحكومة، أوصت فيه بتنظيم امتحان جديد وإحاطته بجميع الضمانات الممكنة، إلى جانب تمكين المترشحين من الاطلاع على أوراقهم.
ونُظمت دورة جديدة يوم 9 يوليوز 2023، لكن نتائج دورة دجنبر 2022 لم تُلغ، كما لم يعلن التقرير المنشور ثبوت تسريب منظم أو تحديد مسؤوليات جنائية.
وهكذا انتهت الأزمة إلى امتحان إضافي من دون أن يحصل الرأي العام على جواب نهائي بشأن جميع الوقائع التي فجرت الجدل الأول.
مباراة الطب نفسها عرفت إنذاراً سابقاً خلال الولاية الحكومية الحالية.
ففي يوليوز 2023، قالت وزارة التعليم العالي إنها توصلت بإفادات من مترشحين بشأن مجموعات على «واتساب» تزعم قدرتها على توفير أوراق المباراة وأجوبتها، وأعلنت إشعار الوكيل العام للملك بمضمون الإفادات والأرقام الهاتفية المتداولة.
غير أن مآل البحث لم يُعلن بالتفصيل: هل كانت تلك المجموعات تتوفر فعلاً على المواضيع؟ هل كانت تبيع أجوبة حقيقية؟ أم كانت تستعمل ادعاء التسريب للاحتيال على المترشحين؟ أسئلة بقيت معلقة رغم أن الوزارة اختارت منذ البداية إشعار القضاء.
عادت الادعاءات خلال مباراة 2024، عندما تحدث مترشحون وصفحات متخصصة عن تداول أسئلة عبر «واتساب» و«تيليغرام».
لكنها ظلت في مستوى مزاعم منشورة على المنصات، ولم يصدر، وفق المعطيات المتاحة، تقرير رسمي يحسم حقيقتها أو يكشف نتائج بحث بشأنها.
قطاع التعليم شهد بدوره وقائع متكررة، فقد انتشرت في نونبر 2022 صور قيل إنها لأسئلة مباراة توظيف أطر التدريس أثناء إجراء الاختبارات. وتكرر الأمر في أكتوبر 2024، عندما تداولت مجموعات إلكترونية أسئلة وأجوبة تخص اللغة العربية والرياضيات والعلوم واللغة الفرنسية وعلوم التربية.
ثم عرفت مباراة ولوج المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين في 22 نونبر 2025 انتشار مواضيع مواد متعددة عبر «واتساب» أثناء وجود المترشحين داخل القاعات.
وكما حدث في ملفات أخرى، تصاعد الغضب لحظة انتشار الصور، ثم تراجع النقاش من دون إعلان تقرير مفصل يحدد مصدرها وحجم الاستفادة منها والإجراءات المتخذة في حق المتورطين المحتملين.
الحالة الأكثر وضوحاً ظهرت في يناير 2026، عندما أقرت وزارة التربية الوطنية بتسريب بعض مواضيع المراقبة المستمرة والامتحان الموحد المحلي داخل مؤسسات الريادة.
ولم تكتف الوزارة هذه المرة بإعلان التحري، بل رتبت أثراً مباشراً عن الواقعة، بإعادة الاختبارات التي أُجريت وتأجيل المواد التي لم تكن قد أُنجزت بعد.
لا يتعلق الأمر بوقائع متطابقة، بعضها تسريب ثابت اعترفت به الوزارة، وبعضها خروج للأسئلة بعد بداية الامتحان، وبعضها مجموعات تزعم بيع أجوبة قد تكون حقيقية أو وهمية، وبعضها لا يزال قيد التحقيق.
لكن القاسم المشترك بينها هو أن المواطن يعرف لحظة اندلاع القضية، ولا يعرف غالباً كيف انتهت.
فتح التحقيق يصبح عنواناً واسعاً، بينما تضيق مساحة المعلومات عندما يحين موعد إعلان النتائج.
ويظل السؤال معلقاً: هل ثبتت الوقائع؟ من كان وراءها؟ كم شخصاً استفاد منها؟ هل أُلغيت نتائجه؟ وهل تعرض أي مسؤول إداري أو منظم أو مترشح لعقوبة قضائية أو تأديبية؟
الهند واجهت خلال السنة نفسها أزمة أكثر اتساعاً بعد تسريب امتحان «NEET-UG 2026» الموحد لولوج كليات الطب.
فقد أُلغي امتحان 3 ماي وأُعيد يوم 21 يونيو لفائدة أكثر من مليوني مترشح، بالتزامن مع تحقيقات واعتقالات مرتبطة بشبكة التسريب.
إعادة الامتحان لم تُنه الأزمة السياسية والاجتماعية فقد خرج طلبة وشباب إلى الشارع، ونُظمت اعتصامات وإضراب عن الطعام، قبل محاولة المحتجين التوجه نحو البرلمان يوم 20 يوليوز.
وطالب المتظاهرون باستقالة وزير التعليم دارمندرا برادان، ومحاسبة المسؤولين عن تكرار تسريب الامتحانات، بينما نقلت المعارضة الملف إلى داخل البرلمان.
وصل التصعيد إلى مواجهات وإصابات وتوقيفات، وإغلاق بعض محطات المترو وتعطيل بيانات الهاتف المحمول في أجزاء من وسط نيودلهي.
وتحت ضغط الاحتجاجات، تعهد رئيس الوزراء ناريندرا مودي بإحداث محاكم سريعة للبت في قضايا تسريب الامتحانات ومعاقبة المسؤولين عنها.
المقارنة لا تعني أن الملفين متطابقان، التسريب في الهند ثبت وأُعيد الامتحان، بينما لا تزال قضية مباراة الطب المغربية في مرحلة التحقيق.
كما أن الاحتجاجات الهندية امتدت إلى ملفات أخرى مرتبطة بتكرار تسريب مباريات التوظيف والبطالة ومستقبل الشباب، ولم تعد محصورة في امتحان واحد.
لكن التجربة الهندية تكشف اختلافاً أساسياً في مستوى الضغط والمساءلة.
هناك تحولت نزاهة الامتحان إلى أزمة سياسية يطالب الشارع بسببها باستقالة الوزير، واضطر رئيس الحكومة إلى تقديم تعهدات علنية.
أما في المغرب، فتتكرر بلاغات فتح الأبحاث والإحالة على القضاء من دون أن تتحول نتائجها المنشورة إلى جزء ثابت من حق المواطنين في المعلومة.
لا تعني المساءلة إدانة المسؤول السياسي تلقائياً كلما التقط مترشح صورة لورقة امتحان، كما لا يمكن تحميل الوزير شخصياً مسؤولية كل هاتف دخل قاعة اختبار.
لكنها تفرض على الحكومة ضمان منظومة تمنع التسريب، وتكشف المتورطين، وتحمي المتضررين، وتنشر نتائج التحقيقات عندما ينتهي البحث.
التحقيق الحالي يمنح حكومة أخنوش فرصة لتغيير هذا المسار. المطلوب ليس إعلان فتح البحث فقط، بل الكشف عن خلاصاته فور انتهائه، وتحديد ما إذا وصلت الأجوبة فعلاً إلى مترشحين، وكيف خرجت، ومن أرسلها، ومدى تأثيرها في النتائج، والإجراءات المتخذة في حق كل من تثبت مسؤوليته.
إذا ثبت أن التسجيل لا يوثق تسريباً حقيقياً، فمن حق المترشحين والمؤسسات والرأي العام معرفة ذلك بوضوح.
وإذا ثبت العكس، فلن يكون كافياً الحديث عن «تدابير قانونية» بصيغة عامة، بل يتعين تحديد المسؤوليات ومراجعة النتائج التي يكون الخرق قد أثر فيها.
نزاهة كليات الطب لا يحميها تاريخها الأكاديمي وحده، كما أن مصداقية امتحانات المحاماة والتعليم لا تُصان بالدفاع عن اللجان المشرفة عليها. الثقة تُبنى عندما تواجه الإدارة الشبهة بالتحقيق، ثم تواجه نتائج التحقيق بالنشر والمحاسبة.
بعد خمس سنوات من انتقال أسئلة وأجوبة مباريات المحاماة والتعليم والطب إلى الهواتف ومجموعات «واتساب»، يبقى السؤال موجهاً إلى الحكومة: كم تحقيقاً فُتح، وكم نتيجة ظهرت، وكم مسؤولاً حوسب؟
لأن الاستحقاق لا يصونه البلاغ، وتكافؤ الفرص لا يكتمل بفتح التحقيق… بل بإعلان كيف انتهى.
