بقلم: الباز عبدالإله
أثار غياب فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، عن حلقة أمس الخميس 23 يوليوز 2026 من برنامج «للحديث بقية» على القناة الأولى، تساؤلات بشأن ملابسات اعتذارها في آخر لحظة، خصوصاً بعد حضورها، مساء اليوم السابق، حفل إطلاق منصة إعلامية تابعة لحزبها.
أحمد التويزي، رئيس فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، الذي حل محل المنصوري داخل البرنامج، أوضح أمام الصحافي يوسف بلهيسي أن مشاركتها كانت مبرمجة، قبل أن تعتذر إثر تعرضها لوعكة صحية طارئة، ليُطلب منه تعويضها في الحلقة.
يتعلق الأمر، وفق هذا التوضيح، بعارض صحي مفاجئ حال دون مشاركة المنصوري في موعد إعلامي كان منتظراً أن يتناول موقع حزب الأصالة والمعاصرة داخل المشهد السياسي، وحصيلته ضمن الأغلبية الحكومية، واستعداداته للانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل.
غير أن الاعتذار أثار نقاشاً على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما أعيد تداول صور المنصوري خلال حضورها، مساء الأربعاء 22 يوليوز، حفل إطلاق منصة «AM+ Media» بأحد فنادق الرباط، إلى جانب المهدي بنسعيد وعدد من قيادات الحزب وأعضاء مكتبه السياسي.
وتؤكد تغطيات صحافية منشورة يوم الأربعاء حضور المنصوري حفل تقديم المشروع، الذي عرّفه القائمون عليه باعتباره منصة حزبية تراهن على الصحافة التحليلية والتفسيرية، وتسعى إلى شرح السياسات والقرارات العمومية، بعيداً، وفق ما أُعلن خلال المناسبة، عن الاكتفاء بنشر البلاغات وإعادة إنتاج الخطاب الحزبي.
لا يثبت حضور المنصوري حفل الأربعاء عدم تعرضها لوعكة صحية لاحقاً، كما لا تسمح صورة مبتسمة بإصدار حكم على وضعها الصحي.
فالفاصل بين المناسبة الحزبية وبث البرنامج التلفزيوني بلغ نحو يوم كامل، وهي مدة يمكن أن تتغير خلالها الحالة الصحية لأي شخص.
لذلك، لا تتيح المعطيات المتوفرة الجزم بأن المنصوري قدمت عذراً غير صحيح، أو أن التويزي نقل إلى المشاهدين رواية يعلم أنها غير دقيقة.
غير أن المسألة تنتقل من شأن طبي خاص إلى سؤال في التواصل السياسي عندما تُلغى مشاركة المنسقة الوطنية لقيادة حزب في حوار تلفزيوني، ويعلن مسؤول آخر سبب غيابها نيابة عنها، من دون توضيح يحدد توقيت الاعتذار وملابساته.
فالمنصوري لا تشغل موقعاً حكومياً فقط، بل تقود أحد أحزاب الأغلبية، بينما يُتداول اسمها سياسياً ضمن الشخصيات المرشحة للعب أدوار أكبر بعد الانتخابات المقبلة.
وهو موقع يجعل حضورها وغيابها عن المواعيد الإعلامية محل متابعة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر ببرنامج سياسي كان سيضعها أمام أسئلة مرتبطة بحصيلة الحكومة وطموحات حزبها والاستحقاقات الانتخابية.
هذا الوضع يجعل اعتذارها عن الحوار حدثاً سياسياً يستدعي توضيحاً بسيطاً ومباشراً، لا كشفاً عن تفاصيل صحية خاصة. فالسؤال ليس عن طبيعة الوعكة أو تشخيصها، وإنما عن التسلسل الزمني للوقائع: متى طرأت الحالة الصحية؟ ومتى أُبلغت القناة الأولى بتعذر حضور المنصوري؟ وهل اتُّخذ قرار تغيير الضيف بعد مشاركتها في الحفل الحزبي أم قبل ذلك؟
كان بإمكان الحزب أو المعنية بالأمر وضع حد للتأويلات بتوضيح مقتضب يؤكد أن المنصوري حضرت حفل الأربعاء في وضع صحي عادي، قبل أن تتعرض لاحقاً لعارض حال دون مشاركتها في برنامج الخميس، إذا كان هذا هو التسلسل الصحيح للوقائع.
لا يحتاج مثل هذا التوضيح إلى شهادة طبية أو كشف معلومات شخصية.
يكفي أن يضع الأحداث في ترتيبها الزمني، بما يحفظ حق المنصوري في الخصوصية ويمنع، في الوقت نفسه، تحول اعتذار صحي إلى مادة للاتهامات السياسية.
وتزداد الحاجة إلى هذا الوضوح بالنظر إلى طبيعة المناسبة التي حضرتها المنصوري قبل غيابها.
فحزب الأصالة والمعاصرة كان يطلق منصة إعلامية قيل إن وظيفتها تفسير القرارات والقضايا العمومية وتقريبها من المواطنين. ومن الطبيعي أن يُنتظر منه تطبيق المبدأ نفسه عندما يتعلق الأمر بواقعة تخص قيادته.
المفارقة التي استوقفت المتابعين لا تكمن في إثبات المرض أو نفيه، وإنما في انتقال المنصوري من حضور مناسبة حزبية موثقة مساء الأربعاء إلى الاعتذار عن حوار تلفزيوني مساء الخميس، من دون توضيح مباشر يضع الواقعتين في سياقهما الزمني.
ولا يعني ذلك أن الغياب كان متعمداً أو مرتبطاً بطبيعة الأسئلة المنتظرة، إذ لا تتوفر معطيات تسمح بإثبات هذا الاستنتاج.
لكنه يوضح كيف يمكن لغياب المعلومة الرسمية أن يفتح المجال أمام روايات وتأويلات كان من السهل تفاديها.
تبقى الوقائع المؤكدة محدودة وواضحة: حضرت المنصوري حفل إطلاق المنصة الحزبية مساء الأربعاء، ثم غابت عن برنامج «للحديث بقية» مساء الخميس، بينما أعلن التويزي أن وعكة صحية طارئة كانت سبب الاعتذار.
وما عدا ذلك يظل في دائرة الاستنتاج إلى أن يصدر توضيح من المعنية بالأمر أو من حزبها.
لا تُقاس الجاهزية لتحمل المسؤولية الحكومية بالحضور الإعلامي وحده، كما لا يجوز بناء حكم سياسي كامل على اعتذار عن برنامج تلفزيوني.
لكن من يطلب ثقة المواطنين ويتطلع إلى تدبير الشأن العام يظل مطالباً بتواصل واضح ومتسق، خصوصاً عندما تكون المعلومة الناقصة قادرة على تحويل واقعة بسيطة إلى سؤال أكبر بشأن المصداقية.
قد تكون الواقعة مجرد طارئ صحي عادي تضخم بفعل الصمت وسوء تدبير التواصل.
غير أنها تكشف كلفة ترك الفراغ للروايات في مرحلة انتخابية شديدة الحساسية.
فالحزب الذي أطلق منصة لتفسير القرارات وتقريب السياسة من المواطنين كان يستطيع إنهاء الجدل بجملة واضحة تحترم خصوصية المعنية بالأمر وتضع الوقائع في ترتيبها الزمني الصحيح.
