بقلم: الباز عبدالإله
وضع تقرير دولي جديد المغرب ضمن أكبر عشرين بلداً مستفيداً من الرساميل الخاصة التي جرى تحريكها بواسطة تدخلات مؤسسات التمويل التنموي، بمتوسط سنوي بلغ نحو 1.5 مليار دولار خلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2024، دون أن يرفق الرقم داخل متن التقرير بلائحة مكتملة للمشاريع والشركات والجهات المغربية المستفيدة.
المعطيات وردت في تقرير «تعبئة التمويل الخاص 2026»، الذي نشرته منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، اليوم الثلاثاء 28 يوليوز 2026، اعتماداً على البيانات المصرح بها من مؤسسات التنمية متعددة الأطراف والثنائية، وفق الأسعار الثابتة لسنة 2023.
وبالرجوع إلى ملف البيانات الكامل المرتبط بلوحة المنظمة، بلغ مجموع التمويل الخاص المحرّك لفائدة المغرب نحو 6.09 مليارات دولار خلال أربع سنوات، موزعة بين حوالي 2.735 مليار دولار سنة 2021، و1.421 مليار سنة 2022، و575 مليون دولار سنة 2023، ثم 1.358 مليار دولار سنة 2024، بما يعطي متوسطاً سنوياً دقيقاً يناهز 1.522 مليار دولار.
ويظهر الرسم المخصص لأكبر عشرين بلداً مستفيداً أن المغرب سجل متوسطاً سنوياً مقرباً قدره 1.5 مليار دولار، وهو المستوى نفسه المسجل لدى صربيا، بعد البيرو التي بلغ متوسطها 1.6 مليار دولار، ومتقدماً على أوكرانيا وفيتنام وإثيوبيا والصين وأوزبكستان ومنغوليا وكينيا وإندونيسيا ونيجيريا.
وتصدرت البرازيل القائمة بمتوسط سنوي بلغ 6.5 مليارات دولار، تلتها الهند بـ5.7 مليارات، ثم تركيا بـ3.2 مليارات، والمكسيك بـ2.1 مليار، وكولومبيا بملياري دولار، فيما بلغ متوسط كل من الإكوادور وجنوب إفريقيا 1.7 مليار دولار، ومصر والبيرو 1.6 مليار دولار لكل منهما.
ولا يمثل الرقم المغربي منحة وضعتها منظمة دولية في حسابات الدولة، وإنما قيمة رساميل خاصة جرى حشدها بفعل تدخلات رسمية لمؤسسات التمويل التنموي، عبر آليات تشمل الضمانات والقروض المشتركة والاستثمار المباشر في الشركات والمشاريع ذات الغرض الخاص وخطوط الائتمان وصناديق الاستثمار.
وبحسب التقرير، شكل الاستثمار المباشر في الشركات أو المشاريع الخاصة والضمانات والقروض المشتركة نحو 70 في المائة من مجموع التمويل الخاص المحرّك عالمياً بين 2021 و2024، وهي آليات تستعمل فيها المؤسسات التنموية قدرتها المالية لتقاسم المخاطر وتشجيع المستثمرين الخواص على تمويل مشاريع قد لا يدخلون إليها بالشروط التجارية العادية.
غير أن ملف البيانات يكشف فجوة كبيرة في مستوى الإفصاح، إذ تظهر أوصاف محدودة لبعض العمليات، لكنه لا يوفر لائحة موحدة تحدد المستفيدين النهائيين من مجمل التمويلات المسجلة باسم المغرب.
وتبين معالجة البيانات المغربية للفترة الممتدة من 2021 إلى 2024 أن عمليات بقيمة تقارب 5.795 مليارات دولار من أصل 6.089 مليارات سجلت في خانة وصف العملية بعبارة «غير معلن»، أي نحو 95.2 في المائة من القيمة الإجمالية، ما يحول دون معرفة المشاريع والمقاولات المستفيدة من الجزء الأكبر من التمويل، أو قياس أثره الاقتصادي والاجتماعي بصورة دقيقة.
وتتيح لوحة المنظمة الوصول إلى البيانات حسب الدول والقطاعات والآليات والجهات الممولة، غير أن المعطيات المنشورة لا تسمح بمعرفة توزيع هذه التمويلات بين جهات المملكة، أو نصيب المقاولات الصغيرة والمتوسطة مقارنة بالمجموعات الكبرى، أو عدد فرص الشغل المرتبطة بها.
ويقر التقرير بأن البيانات المتوفرة على المستويات الجهوية والإقليمية والمحلية تظل نادرة، بما يعرقل فهم درجة تركّز التمويلات والفوارق في توزيعها داخل الدول المستفيدة، ويصعب تحديد ما إذا كانت الرساميل تصل إلى المجالات التي تعاني خصاصاً في الاستثمار، أم تتركز في مناطق قادرة أصلاً على جذب التمويل.
وتزداد أهمية هذا السؤال بالنظر إلى الاختلال القطاعي المسجل عالمياً، إذ استحوذت البنيات التحتية الاقتصادية والخدمات على 70 في المائة من التمويل الخاص المحرّك، منها 41.8 في المائة للخدمات البنكية والتجارية، و13.7 في المائة للطاقة، و9.4 في المائة للنقل والتخزين.
في المقابل، لم تتجاوز حصة القطاعات الاجتماعية، بما فيها الصحة والتعليم والماء والخدمات الاجتماعية، 6 في المائة من التمويل المحرّك عالمياً، إذ حصل قطاع الصحة والسكان على 2.1 في المائة، والماء والتطهير على 1.9 في المائة، فيما لم تتجاوز حصة التعليم 0.6 في المائة.
وهي نسب عالمية لا تخص المغرب وحده، لكنها تفتح سؤال وجهة الحصة المغربية ومدى ارتباطها بالأولويات الاجتماعية المعلنة.
وسجلت القارة الإفريقية الحصة الأكبر عالمياً، بعدما استقبلت 30 في المائة من مجموع التمويل الخاص المحرّك، بمتوسط سنوي بلغ 19.7 مليار دولار، اعتمد جزء مهم منه على الضمانات والاستثمار المباشر في الشركات والمشاريع الخاصة.
وجود المغرب ضمن كبار المستفيدين يعكس قدرته على جذب التمويل المرتبط بالمؤسسات التنموية الدولية، لكنه يضع في المقابل سؤال الشفافية والأثر في صلب النقاش: ما المشاريع التي استقبلت نحو 1.5 مليار دولار سنوياً، ومن هي المؤسسات والمقاولات المستفيدة، وكم وفرت هذه الرساميل من فرص الشغل، وما حصتها من تمويل الصحة والتعليم والماء والتنمية داخل الجهات الأقل جذباً للاستثمار؟
