بقلم: الباز عبدالإله
وضعت أرقام رسمية صادرة عن المجلس الأعلى للحسابات الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها أمام مفارقة ثقيلة، بعدما كشفت أن المؤسسة المكلفة بمواجهة الفساد لم تنفذ خلال سنة 2024 سوى 8.9 في المائة من الاعتمادات النهائية المخصصة لميزانيتها الاستثمارية.
المعطيات وردت في تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول تنفيذ قانون المالية لسنة 2024، المنشور رسمياً يوم 8 يوليوز 2026، ضمن تحليل معدلات تنفيذ نفقات الاستثمار بمختلف القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية.
وبحسب الجدول الذي أورده المجلس، بلغت الاعتمادات النهائية المخصصة لاستثمار الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها حوالي 85.8 مليون درهم، بينما لم تتجاوز النفقات المأمور بصرفها فعلياً 7.7 ملايين درهم.
وهذا يعني أن ما يقارب 78.1 مليون درهم من الاعتمادات الاستثمارية المتاحة للهيئة لم يتحول إلى نفقات مأمور بصرفها خلال السنة المالية المعنية، لتستقر نسبة التنفيذ عند 8.9 في المائة فقط.
ولا تتعلق النسبة بالميزانية الإجمالية للهيئة، ولا تسمح وحدها بقياس حصيلتها الكاملة في محاربة الفساد، وإنما تخص حصراً تنفيذ نفقات الاستثمار خلال سنة 2024، وهو توضيح ضروري حتى لا تُحمّل الأرقام ما لا تحتمل.
غير أن المفارقة تظل قائمة، بالنظر إلى أن مؤسسة مطالبة بتعزيز قدراتها في الوقاية من الرشوة وتتبع السياسات العمومية المرتبطة بالنزاهة وجمع المعطيات وتطوير آليات الرصد والتقييم، لم تحوّل نحو 91.1 في المائة من اعتماداتها الاستثمارية النهائية إلى نفقات مأمور بصرفها خلال السنة.
وتصبح دلالة الرقم أكبر عند مقارنته بالسنة السابقة، إذ أدرج المجلس برنامج «النزاهة والوقاية من الفساد» ضمن البرامج التي سجلت معدلات تنفيذ منخفضة سنة 2024، بعدما تراجع معدل إنجازه من 70.4 في المائة سنة 2023 إلى 8.9 في المائة سنة 2024.
ويمثل هذا التطور انخفاضاً بلغ 61.5 نقطة مئوية خلال سنة واحدة، وهو أحد أكبر التراجعات المسجلة ضمن البرامج التي خضعت لتحليل المجلس الأعلى للحسابات.
ولم يقدم الجدول التفصيلي تفسيراً خاصاً بالهيئة يوضح طبيعة المشاريع الاستثمارية التي لم تنفذ، أو الأسباب التقنية والإدارية التي حالت دون صرف الاعتمادات المرصودة، أو مصير العمليات التي كان مقرراً إنجازها خلال السنة.
غير أن المجلس سجل، على المستوى العام، تراجعاً في تنفيذ ميزانية الاستثمار لدى عدد من القطاعات والمؤسسات، رغم الزيادة الملحوظة في الاعتمادات الموضوعة رهن إشارتها.
فقد بلغت نفقات الاستثمار المأمور بصرفها على مستوى الميزانية العامة للدولة خلال سنة 2024 ما مجموعه 119.7 مليار درهم، من أصل اعتمادات نهائية بلغت 153.5 مليار درهم، بنسبة تنفيذ لم تتجاوز 78 في المائة، وهي أدنى نسبة مسجلة خلال أربع سنوات.
كما ارتفع عدد البرامج التي لم يتجاوز معدل تنفيذها 50 في المائة من 32 برنامجاً سنة 2023 إلى 41 برنامجاً سنة 2024، بينما تراجع عدد البرامج التي فاق تنفيذها 90 في المائة من 30 إلى 22 برنامجاً.
واعتبر المجلس أن هذا التحول يعكس اتساع دائرة البرامج ذات الأداء المحدود أو المتوسط، ويستدعي الوقوف على الأسباب الكامنة وراء ضعف التنفيذ واتخاذ التدابير التصحيحية الضرورية.
وتظهر أرقام الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها وسط هذه الصورة باعتبارها واحدة من الحالات الأكثر إثارة للانتباه، ليس فقط بسبب انخفاض نسبة التنفيذ إلى أقل من 9 في المائة، ولكن أيضاً بسبب طبيعة المؤسسة والانتظارات المرتبطة بدورها في تعزيز النزاهة والوقاية من الفساد.
فالمشكل، وفق منطق تنفيذ الميزانية، لا يتعلق فقط بحجم الأموال المرصودة، وإنما بقدرة المؤسسة على تحويل الاعتمادات إلى مشاريع وتجهيزات وأنظمة وأدوات عمل تدعم مهامها القانونية والمؤسساتية.
وزارة الاقتصاد والمالية أوضحت، في جواب عام أورده التقرير، أن اختلاف نسب التنفيذ بين البرامج لا يعكس بالضرورة وجود تعثر في الإنجاز، بل قد يرتبط بطبيعة المشاريع ومسارات تنفيذها وتعدد المتدخلين فيها، مع ضرورة مراعاة مستوى الالتزام بالاعتمادات وتقدم العمليات المبرمجة.
لكن هذا الجواب العام لا يغلق الأسئلة المرتبطة بالحالة الخاصة للهيئة، ولا يوضح لماذا تراجع تنفيذ برنامج «النزاهة والوقاية من الفساد» من 70.4 في المائة إلى 8.9 في المائة خلال سنة واحدة.
كما لا يكشف التقرير طبيعة المشاريع التي كان مقرراً إنجازها بواسطة 85.8 مليون درهم، ولا الأسباب التي جعلت النفقات المأمور بصرفها تتوقف عند 7.7 ملايين، ولا ما إذا كانت الاعتمادات غير المنفذة ستُرحل إلى السنة الموالية أو ستخضع لإعادة البرمجة.
وشدد المجلس على أن ارتفاع حجم الاعتمادات لا يقابله دائماً تحسن مماثل في الإنجاز، داعياً إلى تعزيز القدرات التدبيرية للآمرين بالصرف، وتطوير آليات التخطيط والبرمجة وتتبع المشاريع، بما يسمح بتحويل الأموال المرصودة إلى إنجازات ملموسة داخل الآجال المحددة.
ولا تثبت هذه الأرقام وجود اختلاس أو تبديد للمال العام، كما لا تعني أن 78.1 مليون درهم اختفت، بل تكشف أن الجزء الأكبر من الاعتمادات الاستثمارية النهائية لم يتحول إلى نفقات مأمور بصرفها خلال سنة 2024.
غير أن عدم التنفيذ يظل بدوره مؤشراً يستوجب التفسير والمساءلة، لأن رصد الاعتمادات دون تحويلها إلى نفقات ومشاريع فعلية يعني تأجيل أهداف كان يفترض أن تعزز قدرة المؤسسة على أداء مهامها.
وعندما يتعلق الأمر بمؤسسة تحمل في اسمها «النزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها»، يصبح واجب الشفافية مضاعفاً، ويصبح من المشروع معرفة تفاصيل المشاريع المبرمجة، وأسباب ضعف تنفيذها، ومصير الاعتمادات، والتدابير التي اتخذت لمنع تكرار هذا الانخفاض الحاد.
فمفارقة النزاهة لا تكمن في رصد 85.8 مليون درهم للهيئة، بل في توقف تنفيذ ميزانيتها الاستثمارية عند 8.9 في المائة، دون تفسير تفصيلي منشور يجيب عن سؤال بسيط: لماذا لم تتحول الاعتمادات الاستثمارية المرصودة للهيئة إلى نفقات ومشاريع منجزة؟
