بعد خمسة عشر عاماً على نشر دستور 2011 في الجريدة الرسمية، أعادت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان فتح ملف المسافة الفاصلة بين الحقوق التي أقرها النص الدستوري وبين واقع ممارستها، معتبرة أن عدداً من الضمانات ظل حاضراً في الوثيقة الدستورية دون أن يتحول إلى حماية فعلية ومستقرة في حياة المواطنين.
وقدمت العصبة، أمس الجمعة 31 يوليوز 2026، بمقرها المركزي في الرباط، تقريراً بعنوان «15 سنة من دستور 2011: حصيلة التنزيل بين المكتسبات النظرية واستمرار الاختلالات الحقوقية والمؤسساتية»، تزامناً مع مرور 15 سنة على نشر الدستور في الجريدة الرسمية بتاريخ 30 يوليوز 2011.
وخلص التقرير إلى أن الإشكال لا يرتبط بمضمون الدستور وحده، وإنما بكيفية تأويل مقتضياته وتنزيلها وتحويلها إلى قوانين ومؤسسات وسياسات عمومية، مشيراً إلى استمرار اختلالات تمس الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب اختلال التوازن بين السلط ومحدودية أثر عدد من مؤسسات الحكامة.
وسجلت العصبة أن الدستور جعل الحق في الحياة أول الحقوق، وحظر المس بالسلامة الجسدية والمعنوية، ومنع التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، غير أن استمرار الإشكالات المرتبطة بعقوبة الإعدام وتسجيل مزاعم مرتبطة بالتعذيب وسوء المعاملة يفرضان، بحسب التقرير، الانتقال من مجرد إعلان الحماية إلى توفير آليات فعالة للوقاية والمساءلة وعدم الإفلات من العقاب.
وتوقف التقرير عند وضعية حرية الرأي والتعبير والصحافة، معتبراً أن الحرية التي ضمنها الدستور ومنع إخضاعها للرقابة القبلية ما تزال مقيدة في الممارسة، بسبب استمرار متابعات مرتبطة بالتعبير أو النشر استناداً إلى مقتضيات القانون الجنائي، عوض قانون الصحافة والنشر.
وشددت العصبة على أنه لا يمكن أن تتحول الصحافة إلى ممارسة محفوفة بالخوف من المتابعة، ولا أن يؤدي القانون إلى إضعاف جوهر الحق الذي يفترض أن يحميه، داعية إلى مراجعة المنظومة الجنائية بما يضمن عدم تجريم التعبير السلمي عن الرأي، وتعزيز استقلال القضاء، وضمان الحق الفعلي في الوصول إلى المعلومات، وتوفير بيئة تشريعية ومؤسساتية تجعل حرية التعبير والصحافة ركيزة للمساءلة الديمقراطية.
كما سجل التقرير استمرار التناقض بين الضمانات الدستورية المرتبطة بحرية الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي وتأسيس الجمعيات، وبين ممارسات المنع والتقييد وعرقلة بعض الأنشطة وعدم تسليم وصولات إيداع الملفات القانونية للجمعيات.
ودعت العصبة إلى الانتقال من منطق الضبط الأمني إلى منطق الحماية الدستورية للحقوق والحريات، واحترام حق المواطنين في الاحتجاج والتنظيم، وتسليم وصولات الإيداع، ووقف الممارسات التي تعرقل عمل الجمعيات.
أما على مستوى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فقد اعتبر التقرير أن أحد أكبر التحديات التي تواجه التجربة الدستورية يتمثل في تحويل الحق في الصحة والتعليم والشغل والحماية الاجتماعية والسكن والعدالة المجالية من إعلان دستوري إلى سياسات عمومية قابلة للقياس والتقييم.
وأكدت العصبة أنه لا يمكن الحديث عن دولة اجتماعية حقيقية ما دامت الفوارق الاجتماعية والمجالية والبطالة والهشاشة والعمل غير المهيكل وضعف الولوج المتكافئ إلى الخدمات الأساسية قائمة باعتبارها اختلالات بنيوية.
وينص الفصل 31 من الدستور على تعبئة الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية للوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنين من العلاج والتعليم والشغل والسكن والحماية الاجتماعية، غير أن التقرير اعتبر أن التحدي الحقيقي يظل مرتبطاً بتحويل هذه المقتضيات إلى حقوق يتمتع بها المواطن بصورة فعلية ومتساوية.
وعلى المستوى المؤسساتي، لاحظ التقرير وجود اختلال في التوازن بين السلط رغم تنصيص الدستور على فصلها وتوازنها وتعاونها، مشيراً إلى أن الممارسة طرحت أسئلة حول فعالية الرقابة البرلمانية، وقدرة المؤسسة التشريعية على ممارسة اختصاصاتها كاملة، وحدود المسؤولية السياسية للحكومة عن السياسات والاختيارات المرتبطة مباشرة بحقوق المواطنين.
واعتبرت العصبة أن صعوبة تحديد المسؤولية السياسية والمؤسساتية في بعض الملفات تمس جوهر مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، إذ لا يكفي توزيع الاختصاصات بين المؤسسات إذا ظل المواطن عاجزاً عن تحديد الجهة المسؤولة عن القرارات أو الإخفاقات التي تؤثر في حقوقه وحياته اليومية.
وسجل التقرير بقلق استمرار عدم تنفيذ بعض الأحكام القضائية النهائية الصادرة ضد الإدارة، معتبراً أنه «لا يمكن الحديث عن سيادة القانون إذا كان المواطن يحصل على حكم قضائي ثم يجد نفسه عاجزاً عن تنفيذه في مواجهة الإدارة».
ونبهت العصبة إلى اتساع دائرة الإحساس الشعبي بعدم الإنصاف وقصور الأحكام في تحقيق العدالة، محذرة من أن استمرار هذا الشعور في الاتساع، خاصة على المدى المتوسط والبعيد، قد يهدد الأمن القضائي والاستقرار والطمأنينة.
كما توقف التقرير عند حصيلة مؤسسات الحكامة التي نص عليها الدستور، موضحاً أن الإشكال لا يكمن دائماً في غياب المؤسسات، بل في محدودية استقلاليتها وضعف الأثر الإلزامي لبعض توصياتها وتقاريرها، ومحدودية قدرتها على التأثير في السياسات العمومية.
وسجلت العصبة عدم الالتزام بإحداث عدد من المؤسسات التي أمر الدستور بتشكيلها، رغم الصدور المتأخر للقوانين المنظمة لبعضها، معتبرة أن المغرب يحتاج إلى مؤسسات حكامة مستقلة وفعالة ومؤثرة، لا إلى هيئات تكتفي بإنتاج التقارير دون أن تجد توصياتها طريقها إلى التنفيذ.
وقدم التقرير مجموعة من التوصيات تستهدف وقف مظاهر التراجع الحقوقي وتعزيز الثقة في المؤسسات، من بينها مراجعة القوانين التنظيمية والقانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية والقوانين المنظمة للجمعيات والتجمعات، واستكمال ملاءمة التشريع الوطني مع الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وتعزيز استقلال القضاء، وتيسير الدفع بعدم الدستورية، وتقوية المحكمة الدستورية ومؤسسات الحكامة.
كما أوصت العصبة بالإفراج عن المعتقلين على خلفية ممارسة حقوقهم في التعبير أو الاحتجاج السلمي، وخاصة معتقلي حراك الريف ومعتقلي احتجاجات «شباب زد»، ووقف التضييق على الجمعيات، وضمان تنفيذ الأحكام القضائية، والحد من التوسع في الاعتقال الاحتياطي، ومراجعة ممارسات تدبير الاحتجاجات، وتعزيز حماية الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
وخلصت العصبة إلى أن معالجة الفجوة بين الدستور والممارسة تقتضي إصلاحات هيكلية تتجاوز معالجة الاختلالات الجزئية، وتعيد التفكير في الجوانب المؤسساتية والدستورية التي أظهر التطبيق العملي الحاجة إلى تطويرها، بما يعزز التوازن بين السلط والرقابة البرلمانية والديمقراطية التشاركية واستقلال القضاء وفعالية هيئات الحكامة، ويحول الحقوق من مقتضيات مكتوبة إلى ضمانات فعلية يلمسها المواطن في حياته اليومية.
