وضع المرصد الشمالي لحقوق الإنسان رواية وزارة الداخلية بشأن أحداث العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة أمام سلسلة من التناقضات والأسئلة، معتبراً أن التصريح الرسمي الصادر مساء الأحد 2 غشت 2026 قدم خلاصات نهائية بشأن أسباب الأحداث وطبيعة التدخل الأمني قبل استكمال الأبحاث القضائية المعلن عنها.
وقال المرصد، في بيان صدر اليوم الاثنين 3 غشت 2026، إن اعتراف وزارة الداخلية بحجم الأحداث وتأكيدها تسجيل وفيات وفتح أبحاث قضائية يشكل خطوة أولى، غير أنها جاءت متأخرة بنحو ثلاثة أيام، بعدما ظلت الأسر والرأي العام أمام فراغ رسمي خلال الساعات الأكثر حساسية من الأزمة.
وسجل البيان أن تصريح الداخلية لم يقدم تسلسلاً زمنياً واضحاً للأحداث التي شهدها معبر باب سبتة والمناطق المحيطة به يوم الخميس 30 يوليوز، إذ لم يحدد موعد بداية التدفقات، ولا توقيت وصول الراغبين في العبور، ولا لحظة انطلاق التدخلات الأمنية، ولا كيفية تطور الوضع ميدانياً، مكتفياً بالإشارة إلى وقائع حدثت «مؤخراً».
واعتبر المرصد أن هذا الغموض يتناقض مع تأكيد الوزارة أنها رصدت المؤشرات منذ مراحلها الأولى، ورفعت درجات اليقظة وعززت المراقبة البرية والبحرية، متسائلاً عن سبب عدم إصدار تحذير رسمي مبكر يفند الشائعات المرتبطة بالحكم القضائي الإسباني ويوضح مضمونه الحقيقي.
وأضاف أن تحميل التضليل الرقمي جانباً مهماً من مسؤولية ما حدث يفرض الكشف عما قامت به المؤسسات المكلفة بالرصد والتواصل لمواجهة تلك المعلومات قبل انتشارها، خاصة أن وزارة الداخلية تشرف على المرصد الوطني للهجرة، الذي يفترض أن يساهم في الإنذار المبكر والتواصل الوقائي.
وأثار المرصد سؤالاً بشأن كيفية تمكن عشرات الآلاف من الأشخاص من بلوغ منطقة حدودية حساسة، كانت تخضع في اليوم نفسه لترتيبات أمنية استثنائية بالتزامن مع حفل الاستقبال الرسمي بمناسبة عيد العرش بمدينة المضيق.
الداخلية حسمت قبل انتهاء التحقيق
انتقد البيان إعلان وزارة الداخلية أن الأحداث لم تكن عفوية، وتحديدها مسبقاً لأسبابها، وتأكيدها أن تدخل السلطات تم في احترام للقانون ومبدأ التناسب، وأن الأجهزة نجحت في حماية الأرواح وتأمين الحدود، فضلاً عن توصيف إحدى الوفيات بأنها «عرضية».
واعتبر المرصد أن هذه الخلاصات تتعارض مع إعلان الوزارة في نهاية تصريحها أن الأبحاث القضائية ما تزال جارية لتحديد جميع الملابسات وترتيب المسؤوليات.
وتساءل البيان عن المقصود بعبارة «السيطرة على الوضع» التي وردت في التصريح الرسمي، وما إذا كانت تعني منع التدفق منذ البداية، أو منع الأشخاص من عبور الحدود، أو استعادة السيطرة بعد وقوع عمليات العبور ووصول أعداد منهم إلى سبتة المحتلة.
وشدد المرصد على أن حجم الأحداث لا يثبت بالضرورة فشل جميع التدابير الأمنية المتخذة، لكنه يفرض توضيح الكيفية التي تمكن بها نحو 40 ألف شخص، وفق الرقم الذي أعلنته الوزارة، من الوصول في وقت متقارب إلى محيط منطقة يفترض أنها كانت خاضعة للمراقبة والتعبئة المبكرة.
أرقام «دقيقة» بصيغة تقريبية
توقف المرصد عند وصف وزارة الداخلية لمعطياتها بأنها «إحصائيات دقيقة»، رغم أن الرقم الرئيسي المعلن جاء بصيغة تقريبية تحدثت عن «نحو 40 ألف شخص».
وقال إن الوزارة لم توضح الفترة الزمنية التي شملها الإحصاء، ولا المقصود بـ«نقط الانطلاق»، كما لم تكشف عن عدد الأشخاص الذين حاولوا فعلياً عبور الحدود، ولا عدد من وصلوا إلى سبتة المحتلة، ولا عدد الموقوفين أو الذين جرى منعهم من العبور.
كما غابت، بحسب البيان، معطيات دقيقة حول عدد المصابين والمفقودين والأشخاص الذين جرى إنقاذهم، رغم استمرار عشرات الأسر في البحث عن أبنائها ومحاولة معرفة مصيرهم.
هل كانت الوفاة «عرضية»؟
رفض المرصد توصيف وفاة شخص إثر سقوطه من منطقة صخرية بأنها عرضية قبل اكتمال التحقيق، معتبراً أن تحديد السبب الطبي المباشر لا يكفي لحسم جميع الظروف والملابسات.
ودعا إلى التحقيق في ما إذا كان السقوط قد وقع أثناء تدافع أو مطاردة أو تدخل أمني، ومدى توفر شروط السلامة في الموقع، وسرعة وصول الإسعافات وتقديم المساعدة للضحية.
وأكد أن السقوط قد يكون السبب المباشر للوفاة، لكنه لا يكشف وحده سلسلة الأسباب الكاملة، ولا ينفي احتمال وجود مسؤولية مرتبطة بالظروف المحيطة بالحادث.
التضليل الرقمي ليس التفسير الوحيد
أقر المرصد بأن الشائعات والتأويلات الخاطئة للحكم القضائي الإسباني شجعت على التدفق ومحاولات العبور، لكنه اعتبر أن هذه العوامل لا تفسر وحدها استعداد عشرات الآلاف، بينهم شباب وقاصرون، للمخاطرة بحياتهم.
وسجل أن تصريح الداخلية تجاهل الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والنفسية المتراكمة، وفي مقدمتها البطالة والهشاشة وانتشار الفساد وفقدان الأمل وتراجع الثقة في المستقبل، إلى جانب استمرار هجرة الشباب والقاصرين خلال السنوات الماضية.
واعتبر البيان أن الوزارة خلطت بين العامل الذي فجر الأحداث وبين الشروط البنيوية التي أنتجت استعداداً جماعياً للهجرة والمخاطرة، مؤكداً أن المحتوى الرقمي قد يشجع على سلوك معين، لكنه لا يخلق من العدم استعداد عشرات الآلاف للمجازفة بأرواحهم.
وطالب المرصد وزارة الداخلية، إن كانت تتوفر على أدلة تثبت وجود تنظيم مركزي وراء الأحداث، بالكشف عن عدد الحسابات والشبكات المعنية، وطبيعة التنسيق بينها، وعدد الموقوفين، والأدلة المرتبطة بالتخطيط أو التمويل أو النقل المنظم.
من يحقق في استعمال القوة؟
قال المرصد إن تأكيد وزارة الداخلية احترام القوات الأمنية للقانون ومبدأ التناسب يعبر عن موقف الجهة التي أشرفت على العملية، ولا يمكن اعتباره دليلاً مستقلاً على احترام هذه الضوابط.
وطالب بنشر معطيات حول وسائل الإكراه التي استُعملت، والتعليمات التي صدرت ميدانياً، وتسلسل القيادة، وعدد المصابين في صفوف المدنيين وعناصر الأمن، وعدد الموقوفين والشكايات المقدمة.
كما دعا إلى حفظ تسجيلات كاميرات المراقبة والسجلات المرتبطة بعمليات الإنقاذ والإسعاف، معتبراً أن بعض مقاطع الفيديو المتداولة على شبكات التواصل الاجتماعي تستوجب الفحص ضمن التحقيق القضائي.
وأثار البيان غموضاً بشأن نطاق الأبحاث التي فتحتها النيابة العامة، متسائلاً عما إذا كانت ستقتصر على الحسابات الرقمية والشبكات والأفعال المنسوبة إلى المشاركين، أم ستشمل أيضاً أسباب الوفيات والإصابات، واستعمال القوة، وأفعال السلطات أو أوجه تقصيرها.
وطالب المرصد بتحقيق سريع وشامل ومستقل ومحايد وشفاف، يشمل جميع الأطراف، ويضمن مشاركة أسر الضحايا والمفقودين وإطلاعها على تطورات البحث، مع نشر النتائج للرأي العام.
وختم المرصد بيانه بالتأكيد أن محاولة عبور الحدود بطريقة غير نظامية لا تسقط حق أي شخص في الحياة والسلامة الجسدية والكرامة، وأن مكافحة الشائعات وشبكات الاتجار بالبشر لا تعفي السلطات من مسؤوليات الوقاية والإنقاذ والشفافية والمحاسبة.
وشدد على أن رواية وزارة الداخلية لا يمكن أن تحل محل تحقيق مستقل، وأن عودة الهدوء إلى المنطقة لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لإغلاق ملف مأساة ما تزال أسر عديدة تنتظر معرفة حقيقتها ومصير أبنائها.
