بقلم: الباز عبدالإله
أعادت تدوينة نشرتها ياسمين لمغور، النائبة البرلمانية عن حزب التجمع الوطني للأحرار، سؤال التكوين السياسي داخل أحزاب الأغلبية إلى الواجهة، بعدما اختارت الدفاع عن رئيس الحكومة عزيز أخنوش باستعمال عبارات من قبيل «الزعيم السفيه»، و«الوهن العاجز»، و«مزبلة التاريخ»، عوض تقديم جواب سياسي عن الانتقادات الموجهة إلى رئيس السلطة التنفيذية.
لمغور ليست مجرد عضوة عادية في حزب سياسي حتى تُقرأ كلماتها باعتبارها انفعالاً عابراً داخل مشاجرة رقمية، بل نائبة في مجلس النواب، بما يجعل خطابها صادراً عن فاعلة يفترض فيها امتلاك حد أدنى من التكوين الدستوري، والقدرة على التمييز بين الرد السياسي والتجريح الشخصي.
بدأت البرلمانية تدوينتها بدعوة مخاطبها إلى «احترام ذكاء المغاربة وعقولهم»، وعدم الزج بنفسه في قضايا لا تدخل ضمن مسؤولياته، قبل أن تنتهي إلى وصفه بالسفه والعجز، والدعوة إلى تنظيم رحلته نحو «مزبلة التاريخ».
المفارقة أن من طالبت بعدم تحويل النقاش العمومي إلى «مسرح للعبث والمزايدات» قدمت في التدوينة نفسها نموذجاً واضحاً لهذا العبث، بعدما غابت الحجة وحضرت الإهانة، واختفت الأرقام والوقائع لتحل محلها أوصاف شخصية لا تضيف شيئاً إلى النقاش حول مسؤولية رئيس الحكومة.
لا يتعلق الأمر بمنع برلمانية من الدفاع عن حزبها أو عن رئيس الحكومة المنتمي إليه، بل بالوظيفة التي تحملها داخل مؤسسة يفترض أن تمارس الرقابة على الجهاز التنفيذي، لا أن تتحول إلى جدار يحميه من الأسئلة.
الفصل 70 من الدستور واضح في تحديد وظائف البرلمان، إذ ينص على أنه يصوت على القوانين، ويراقب عمل الحكومة، ويقيّم السياسات العمومية، وهي وظائف تجعل المسافة النقدية بين النائب والحكومة جزءاً من صميم العمل البرلماني، وليست خيانة للحزب أو خروجاً عن الانضباط التنظيمي.
لكن تدوينة ياسمين تقلب هذه العلاقة رأساً على عقب، إذ يظهر رئيس الحكومة فيها باعتباره مسؤولاً لا يحتاج إلى من يسائله أو يقدم له الدروس، بينما يتحول من يطرح الأسئلة حول سفره وتوقيت غيابه وعودته إلى شخص يتدخل في ما لا يعنيه وينصب نفسه «وكيلاً للأسفار».
والحال أن مساءلة سفر رئيس الحكومة خلال ظرف استثنائي لا تعني التدخل في حياته الخاصة، ولا تحديد الفندق الذي يقيم فيه أو الطائرة التي يستقلها، بل تتعلق بالحضور السياسي والتواصل المؤسساتي والمسؤولية التي تفرضها رئاسة الجهاز التنفيذي.
رئيس الحكومة ليس مواطناً عادياً تنتهي المسؤولية العمومية عند باب عطلته، وتحركاته لا تبقى شأناً شخصياً خالصاً عندما تتزامن مع أزمة وطنية أو اجتماعية تستدعي حضور السلطة التنفيذية وتقديم التوضيحات للرأي العام.
وكان بإمكان البرلمانية أن توضح جدول عمل رئيس الحكومة، أو تقدم القرارات التي اتخذتها الحكومة، أو تبرز كيف دُبرت الأزمة ومن كان يتابعها، لكنها اختارت الطريق الأسهل، وهو تحويل السؤال السياسي إلى خصومة شخصية، ثم مهاجمة صاحب السؤال بدل الإجابة عن مضمونه.
وقالت لمغور إن الحكومة تشتغل بـ«منطق الإنجاز»، وتواصل تنزيل الأوراش الملكية الكبرى على أرض الواقع بأفعال ونتائج، لكنها لم تقدم داخل تدوينتها إنجازاً واحداً أو رقماً أو نتيجة قابلة للقياس تسمح للمغاربة بتقييم هذا الدفاع.
عبارة «حكومة الإنجاز» لا تصبح حقيقة بمجرد تكرارها، كما أن استدعاء الأوراش الملكية لا يمكن أن يعفي الجهاز التنفيذي من المحاسبة، لأن التوجيهات الملكية تحدد الأولويات الكبرى، بينما تتحمل الحكومة مسؤولية التنفيذ والتمويل والآجال والنجاعة والنتائج.
والأخطر أن استخدام الأوراش الملكية درعاً في مواجهة الانتقادات يؤدي إلى خلط غير سليم بين المؤسسة الملكية والحصيلة الحكومية، وكأن كل مساءلة لأداء الوزراء أو لرئيس الحكومة هي اعتراض على التوجيهات الملكية، بينما تقتضي المسؤولية السياسية التمييز بين مصدر التوجيه ومسؤولية التنفيذ.
التدوينة تطرح لذلك سؤالاً يتجاوز صاحبتها، ويتعلق بالكيفية التي تكوّن بها الأحزاب مرشحيها قبل وضعهم داخل البرلمان، وبالمعايير التي تسمح بالصعود داخل الأجهزة التنظيمية والمؤسسات المنتخبة.
الفصل السابع من الدستور لا يعتبر الأحزاب مجرد آلات انتخابية تمنح التزكيات وتدير الحملات، بل ينص على أنها تعمل على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية وتدبير الشأن العام.
فهل تحقق الأحزاب هذا الالتزام داخل صفوفها أولاً، وهل يتلقى نوابها تكويناً في الدستور وأدوار البرلمان وأخلاقيات الاختلاف السياسي، أم إن القدرة على الدفاع عن الزعيم ومهاجمة خصومه أصبحت تكفي لاعتبار الشخص مؤهلاً لتمثيل الأمة؟
لا يمكن الحكم على جميع برلمانيي حزب التجمع الوطني للأحرار انطلاقاً من تدوينة واحدة، لكن تكرار الخطاب الاحتفالي والاستعراضي داخل جزء من نخبه يجعل السؤال مشروعاً، خصوصاً عندما تختلط السياسة بالفرجة ويتقدم الولاء على الكفاءة.
ويظل نموذج لحسن السعدي، الذي انتقل من مجلس النواب إلى منصب كاتب للدولة مكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، مثالاً جانبياً على الصورة التي التصقت ببعض الوجوه الصاعدة داخل الحزب، بعدما ارتبط اسمه لدى الرأي العام بمقطع متداول وهو يتفاعل مع أغنية «مهبول أنا».
الإشارة إلى هذا المقطع لا تستهدف حق مسؤول سياسي في الرقص أو الفرح، ولا تجعل منه دليلاً على الكفاءة أو عدمها، لكنها تطرح سؤال الصورة التي تقدم بها الأحزاب نخبها، والمعايير التي تعتمدها في ترقيتها داخل المؤسسات.
«مهبول أنا» ليس موضوع المقال، بل مجرد مثال جانبي داخل نقاش أوسع عن نموذج سياسي يبدو فيه الاستعراض والهجوم على الخصوم أكثر حضوراً من التشريع والرقابة وتقديم الحساب.
المشكلة ليست في أغنية رقص عليها مسؤول، ولا في عبارة انفلتت داخل لحظة غضب فقط، بل في صعود خطاب يختزل السياسة في الدفاع عن القيادة، ويعامل كل سؤال باعتباره استهدافاً، وكل انتقاد باعتباره مزايدة تستحق السب والتجريح.
البرلماني المكوّن سياسياً لا يخشى السؤال ولا يواجهه بالشتيمة، بل يفككه ويجيب عنه بالوقائع، كما لا يعتبر مساءلة رئيس الحكومة اعتداءً على الحزب، لأن مراقبة الحكومة هي المهمة التي منحه المواطنون أصواتهم من أجلها.
أما البرلماني الذي يتحول إلى حارس للزعيم، فيرى في كل انتقاد مؤامرة، وفي كل سؤال مزايدة، وفي كل معارض شخصاً يستحق الإرسال إلى «مزبلة التاريخ»، بينما يبقى رئيس الحكومة خارج دائرة المساءلة وكأنه لا يرأس سلطة تنفيذية مسؤولة أمام البرلمان والمجتمع.
تدوينة لمغور لم تنه الجدل بشأن أداء رئيس الحكومة، بل أضافت إليه سؤالاً أكثر إحراجاً لحزب الأحرار، يتعلق بنوعية النخب التي يقدمها للمغاربة، وبقدرتها على ممارسة السياسة خارج قاموس السب والولاء الشخصي.
فمن يحتاج إلى التكوين السياسي ليس المواطن الذي يسأل عن رئيس حكومته، بل النائب الذي يعتقد أن وظيفته هي حمايته من السؤال، وأن قوة الإهانة تستطيع تعويض ضعف الجواب، وأن الطريق إلى الدفاع عن «ذكاء المغاربة» يمكن أن يمر عبر «السفيه» و«الوهن العاجز» و«مزبلة التاريخ».
