بقلم: الباز عبدالإله
تكشف أحدث معطيات وزارة الاقتصاد والمالية أن توقع حصيلة الضريبة على الشركات لسنة 2026 رُفع بـ15.340 مليار درهم، بعدما أظهرت الأشهر الستة الأولى من السنة وتيرة تحصيل أعلى بكثير من الفرضية الأصلية التي بُني عليها قانون المالية.
فبحسب «تقرير التنفيذ الميزانياتي والتأطير الماكرو اقتصادي لثلاث سنوات»، الصادر في إطار التحضير لمشروع قانون مالية 2027، كان قانون مالية 2026 يتوقع تحصيل 95.614 مليار درهم من الضريبة على الشركات، قبل أن ترفع الوزارة توقعها المحيّن إلى 110.954 مليارات درهم، أي بزيادة قدرها 15.340 ملياراً وبنسبة 16 في المائة.
ولا يتعلق الأمر بتعديل محدود، فبحلول 30 يونيو 2026، سجل جدول الإيرادات الجبائية حصيلة قدرها 68.460 مليار درهم من الضريبة على الشركات، بما يعادل حسابياً 71.6 في المائة من المبلغ الذي كان قانون المالية يتوقع تحصيله خلال السنة بكاملها.
وتصبح دلالة الرقم أكثر وضوحاً عند مقارنته ببقية المداخيل الضريبية.
فقد بلغ إجمالي الإيرادات الجبائية 208.784 مليارات درهم في نهاية يونيو، مقابل توقع سنوي أصلي قدره 376.140 ملياراً، أي بمعدل إنجاز بلغ 55.5 في المائة.
وبذلك كانت نسبة تحصيل الضريبة على الشركات بعد ستة أشهر أعلى بنحو 16.1 نقطة مئوية من معدل تنفيذ الإيرادات الضريبية مجتمعة.
لكن الرقم الأكثر دلالة يظهر عند تفكيك التعديل الذي أدخلته وزارة الاقتصاد والمالية على توقعاتها.
فالتوقع الأصلي لمجموع المداخيل الضريبية لسنة 2026 كان محدداً في 376.140 مليار درهم، قبل أن ترفعه الوزارة إلى 395.486 ملياراً.
ووفق خانة الفارق في الجدول الرسمي، بلغت الزيادة نحو 19.35 مليار درهم، وبنسبة 5.1 في المائة.
ومن هذه الزيادة، جاءت 15.340 مليار درهم من تعديل توقع الضريبة على الشركات وحدها.
وبالاستناد إلى الفارق الذي أورده الجدول الرسمي، تعادل الزيادة المتوقعة في ضريبة الشركات نحو 79.3 في المائة من صافي الزيادة التي أضيفت إلى توقع المداخيل الضريبية لسنة 2026.
ولا يعني ذلك أن الضريبة على الشركات تمثل 79.3 في المائة من مجموع الإيرادات الجبائية، وإنما يعني تحديداً أن الزيادة التي طرأت على توقع هذه الضريبة وحدها تعادل قرابة أربعة أخماس صافي الزيادة بين التوقع الأصلي والتوقع المحيّن للمداخيل الضريبية.
وتظهر بنية الجدول أن الثقل الأكبر للمراجعة جاء من الضرائب المباشرة.
فقد رفعت الوزارة توقعها لهذه الفئة من 165.690 مليار درهم إلى 183.483 ملياراً، أي بزيادة 17.793 مليار درهم.
ومن هذه الزيادة، تعود 15.340 ملياراً إلى الضريبة على الشركات، بينما ارتفع توقع الضريبة على الدخل بـ2.527 مليار درهم فقط، من 64.665 إلى 67.192 ملياراً.
وفي المقابل، تراجع توقع «الزيادات والغرامات وغيرها» بـ74 مليون درهم.
وهذا يعني أن تعديل توقع الضريبة على الشركات وحده يمثل حسابياً نحو 86.2 في المائة من صافي الزيادة المسجلة في توقع الضرائب المباشرة والرسوم المماثلة.
أما الضرائب غير المباشرة، التي كان متوقعاً أن توفر 167.890 مليار درهم، فلم يرتفع توقعها المحيّن سوى إلى 168.154 ملياراً، أي بفارق 264 مليون درهم فقط وبنسبة 0.2 في المائة.
وحتى الضريبة على القيمة المضافة، التي تشكل مورداً جبائياً ضخماً، لم يرتفع توقعها الإجمالي سوى بـ264 مليون درهم، من 122.396 إلى 122.660 ملياراً، بينما بقي توقع الرسوم الداخلية على الاستهلاك عند 45.493 ملياراً دون تغيير.
كما بقي توقع الرسوم الجمركية مستقراً عند 18.548 مليار درهم، في حين ارتفعت رسوم التسجيل والتنبر بـ1.288 مليار درهم، من 24.013 إلى 25.301 ملياراً.
وبذلك لا تكشف مراجعة توقعات 2026 عن ارتفاع موزع بالتساوي على مختلف الضرائب، بل عن تركّز واضح للجزء الأكبر من التعديل في الضريبة على الشركات.
والعودة سنة واحدة إلى الوراء تضيف بعداً آخر إلى الأرقام.
فخلال 2025، سجلت الضريبة على الشركات، وفق التقرير نفسه، معدل إنجاز بلغ 125.1 في المائة من توقع قانون المالية، وارتفعت مداخيلها بـ20.3 مليار درهم، أي بنسبة 28.6 في المائة مقارنة بسنة 2024، لتصل إلى 91.4 مليار درهم على أساس صافٍ بعد الاسترجاعات والتخفيضات والردود الضريبية.
وتقدم الوزارة تفسيراً مفصلاً للأداء المسجل في 2025، إذ تشير إلى ارتفاع المداخيل الناتجة عن تكملة التسوية بـ6.9 مليارات درهم، أي بنسبة 51.9 في المائة، لتصل إلى مستوى قياسي قدره 20.1 مليار درهم، إلى جانب ارتفاع حصيلة الأقساط المقدمة بـ14.1 مليار درهم.
وفي المقابل، ارتفعت استرجاعات الضريبة على الشركات من 2.4 إلى 3.4 مليارات درهم خلال 2025.
وهكذا تكشف السلسلة الزمنية عن مسار لافت: سنة 2025 انتهت بتحصيل قوي للضريبة على الشركات ومعدل إنجاز بلغ 125.1 في المائة، ثم بُني قانون مالية 2026 على توقع قدره 95.614 مليار درهم، قبل أن تصل الحصيلة المدرجة في جدول الإيرادات إلى 68.460 ملياراً خلال ستة أشهر، لترفع الوزارة توقع نهاية السنة إلى 110.954 مليارات.
وبالمقارنة مع حصيلة 2025 المدرجة في الجدول نفسه، والبالغة 94.791 مليار درهم، يعني التوقع المحيّن لسنة 2026 أن الوزارة تنتظر زيادة قدرها 16.163 مليار درهم، أي نحو 17 في المائة خلال سنة واحدة.
ويحتاج هذا الرقم إلى تمييز محاسبي مهم. فالتقرير يشير، عند تحليله تنفيذ سنة 2025 على أساس صافٍ بعد الاسترجاعات، إلى حصيلة مقربة قدرها 91.4 مليار درهم، بينما يعرض جدول الإيرادات رقماً قدره 94.791 مليار درهم لسنة 2025.
ويبلغ الفارق بين الرقمين نحو 3.4 مليارات درهم، وهو مستوى يقارب قيمة استرجاعات الضريبة على الشركات التي يوردها التقرير لسنة 2025.
لذلك ينبغي مراعاة نطاق وطريقة احتساب كل رقم عند المقارنة، وعدم التعامل مع 91.4 و94.791 مليار درهم باعتبارهما حصيلتين محسوبتين بالطريقة نفسها.
ولا تثبت مراجعة التوقع من 95.614 إلى 110.954 مليارات درهم، في حد ذاتها، وجود خطأ في إعداد قانون المالية.
فالتوقعات الجبائية قابلة للتحيين تبعاً لنتائج الشركات والتسويات الضريبية ودينامية النشاط الاقتصادي ومستوى التحصيل المسجل خلال السنة.
كما يوضح التقرير أن الإطار الماكرو اقتصادي لسنة 2026 عرف مراجعات مهمة، إذ رُفع توقع النمو الاقتصادي من 4.6 إلى 5.3 في المائة، كما ارتفع توقع نمو القطاع الأولي من 7.7 إلى 14.5 في المائة، والقطاع الثانوي من 3.7 إلى 4.5 في المائة.
وترتبط المراجعة أساساً بموسم فلاحي أفضل، بعدما رُفع تقدير محصول الحبوب من 70 إلى 90 مليون قنطار.
وفي المقابل، خُفض توقع النمو خارج الفلاحة من 4.3 إلى 4.2 في المائة، كما تراجع توقع نمو القطاع الثالثي من 4.2 إلى 4 في المائة، ما يبين أن رفع توقع النمو الإجمالي لم يشمل مختلف مكونات الاقتصاد بالوتيرة نفسها.
غير أن حجم مراجعة الضريبة على الشركات يطرح مسألة مختلفة، تتعلق بالعوامل الجبائية المحددة التي أضافت 15.340 مليار درهم إلى توقع مورد واحد خلال السنة.
فبينما يشرح التقرير بالتفصيل أسباب الأداء الاستثنائي للضريبة على الشركات خلال 2025، من خلال تكملة التسوية والأقساط المقدمة، يعرض جدول 2026 القفزة من 95.614 إلى 110.954 مليارات درهم، إلى جانب التحصيل المسجل في نهاية يونيو، دون أن يقدم، في الجزء المخصص لتحيين توقعات المداخيل الجبائية، تفصيلاً مماثلاً يوزع مبلغ 15.340 ملياراً بين الأرباح والتسويات والأقساط والقطاعات الاقتصادية المختلفة.
وتكتسب هذه التفاصيل أهمية إضافية لأن الزيادة المتوقعة في الضريبة على الشركات تعادل حسابياً 79.3 في المائة من صافي الزيادة التي أوردها الجدول في توقع المداخيل الضريبية لسنة 2026.
وتزداد الصورة تعقيداً عند وضع هذا الرقم إلى جانب مراجعة أخرى يتضمنها التقرير نفسه، تتعلق بالاسترجاعات والتخفيضات والردود الضريبية المحملة على الميزانية العامة، والتي ارتفع توقعها لسنة 2026 من 9.633 مليارات إلى 18.866 مليار درهم.
وكانت النفقات المتعلقة بهذه الاسترجاعات قد بلغت فعلياً 11.446 مليار درهم عند نهاية يونيو، أي 118.8 في المائة من التقدير الأصلي للسنة بكاملها.
ولا يجوز طرح الزيادتين مباشرة للحصول على ما يمكن وصفه بالمكسب الصافي، لأن تعديل توقع الضريبة على الشركات يتعلق بمورد ضريبي محدد، بينما تشمل الاسترجاعات عدة ضرائب وتخضع لمعالجة محاسبية مختلفة.
لكن وجود مراجعتين بهذا الحجم داخل الوثيقة نفسها يكشف حجم التحولات التي عرفتها الخريطة الجبائية المتوقعة لسنة 2026.
فالأرقام المؤكدة حتى نهاية يونيو تظهر تسجيل 208.8 مليارات درهم من الضرائب خلال نصف سنة، بزيادة 22.4 مليار درهم، أو 12 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من 2025، منها 68.460 مليار درهم مدرجة ضمن حصيلة الضريبة على الشركات.
أما التوقع المحيّن فيضع المداخيل الضريبية عند 395.486 مليار درهم بنهاية السنة، منها 110.954 مليارات من الضريبة على الشركات.
وبين التقدير الأول والتوقع المحيّن توجد 15.340 مليار درهم إضافية في ضريبة واحدة، تعادل قرابة أربعة أخماس صافي الزيادة في توقع المداخيل الضريبية.
غير أن الجزء المخصص لتحيين توقعات المداخيل الجبائية في التقرير لا يقدم تفصيلاً يبين العناصر التي صنعت هذه الزيادة البالغة 15.340 مليار درهم في توقع الضريبة على الشركات، موزعة بحسب مصادرها ومكوناتها.
لذلك تبدو القفزة من 95.614 إلى 110.954 مليارات درهم واضحة حسابياً، بينما يبقى السؤال مفتوحاً حول الوزن الدقيق لكل من نتائج الشركات والتسويات والأقساط والقطاعات الاقتصادية المختلفة في صناعة هذه المراجعة الكبيرة لتوقعات 2026.
