لم يكن عبد الحليم المحدالي يتوقع أن تتحول مائة درهم، قال إنه استعملها للتنقل من طنجة إلى الرباط من أجل حضور وقفة احتجاجية، إلى جزء من ملف اتُّهم فيه بتمويل الإرهاب، قبل أن يصدر في حقه حكم بالسجن سنتين.
بعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً، لا يزال المعتقل السابق يستعيد تفاصيل ما يسميه «السبت الأسود»، حين اقتحمت قوات الأمن منزله بمدينة طنجة قبيل فجر السبت 19 يناير 2013، وسط زوجته وأبنائه وأفراد عائلته.
ويقول المحدالي: «اقتحموا بيتي عنوة قبل الفجر بلحظات، وروّعوا زوجتي وأبنائي وعائلتي. عاشوا لحظات من الرعب لن يمحوها الزمن، وما وقع يومها لم يتوقف أثره إلى اليوم».
اقتيد المحدالي من طنجة إلى مقر الشرطة بمنطقة المعاريف في الدار البيضاء، غير أنه يؤكد أن الضغط بدأ منذ اللحظات الأولى لاعتقاله، قبل الوصول إلى مقر التحقيق.
ويقول: «منعوني حتى من أداء صلاة الفجر، وبدأ مسلسل الضغط النفسي منذ الطريق. داخل مقر المعاريف تعرضت للضرب والصفع والسب والإهانة، وتلقيت صفعة سال بسببها الدم من وجهي وفمي».
وبحسب شهادته، لم يقتصر ما تعرض له على العنف الجسدي والنفسي، بل شمل أيضاً عبارات اعتبرها تمييزاً بسبب انحداره من منطقة الريف.
ويضيف: «قال لي أحد المحققين: مالكم أنتم ناس الريف ما كتبغيوش تقولو الحقيقة؟ فبأي حقيقة كنت سأدلي وأنا بريء؟ هل كان المطلوب مني أن أعترف بشيء لم أفعله؟».
وُجهت إلى المحدالي اتهامات بالانتماء إلى جماعة غير مرخص لها، في إشارة إلى اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين، إضافة إلى تمويل الإرهاب ومحاولة الالتحاق بسوريا وتمويل مقاتلين.
غير أنه ينفي هذه الاتهامات جميعها، ويصفها بأنها «ملفقة ولا أساس لها من الصحة»، مؤكداً أن مبلغ مائة درهم الذي ورد في ملفه لم يكن تمويلاً لأي جهة، بل مصاريف تنقل من طنجة إلى الرباط للمشاركة في وقفة احتجاجية.
ويقول: «مائة درهم صنعت مني مموّلاً للإرهاب. كانت فقط مصاريف تنقل لحضور وقفة، فتحولت داخل الملف إلى تهمة خطيرة قلبت حياتي وحياة أسرتي».
وينفي المحدالي أيضاً أن تكون له أي نية في السفر إلى سوريا أو الالتحاق بأي جماعة مقاتلة.
ويضيف: «اتهموني بمحاولة الذهاب إلى سوريا، وهذا باطل نهائياً، ولم يكن في نيتي. واتهموني بتمويل مقاتلين، وهو أمر غير وارد أصلاً. كانت اتهامات ثقيلة، لكنني ظللت أقول إنني بريء».
انتهت المحاكمة بإدانته بسنتين سجناً، وهي المدة التي يصفها بأنها «عامان سُلبا من العمر ظلماً»، غير أن آثارها، كما يقول، لم تنته بانتهاء العقوبة.
ويقول المحدالي: «دخلت السجن وأنا بريء، وخرجت منه مريضاً ومهمشاً. سنتان سُلبتا من عمري، لكن ما خسرته لم يكن سنتين فقط، بل عملي وصحتي واستقرار عائلتي ومستقبل أبنائي».
خلال فترة سجنه، يقول المحدالي إنه أصيب بأمراض مزمنة استلزمت تناول الأدوية بصورة مستمرة، قبل أن يصطدم، بعد الإفراج عنه، برفض تسليمه ملفه الطبي.
ويضيف: «ذهبت إلى باب السجن وطالبت بملفي الطبي، لكن الإدارة رفضت تسليمه لي. خرجت محملاً بالأمراض، ثم حُرمت حتى من الوثيقة التي تثبت وضعي الصحي، فازدادت معاناتي النفسية والجسدية».
لم تتوقف تداعيات الملف عنده وحده، بل امتدت إلى والدته وزوجته وأبنائه، الذين يقول إنهم لا يزالون يؤدون ثمن ما وقع.
ويقول: «أمي تعاني اليوم أمراضاً مزمنة وتحتاج إلى الأدوية باستمرار. زوجتي وأبنائي عاشوا الرعب يوم الاعتقال، ثم عاشوا الحرمان خلال سجني، وبعد خروجي وجدوا أنفسهم أمام أب مريض وعاطل ومقصي».
بعد مغادرته السجن، فقد المحدالي عمله، ودخل مرحلة أخرى من المعاناة، عنوانها البحث عن مورد عيش دون أن يتمكن من استعادة حياته السابقة.
ويقول: «خرجت من السجن فوجدت الأبواب مغلقة. فقدت عملي، وعشت التهميش والإقصاء، ولم أحصل على أي إنصاف مادي أو معنوي أو صحي يعيد لي بعضاً مما ضاع».
وكان المحدالي يشتغل بائعاً متجولاً بمدينة طنجة، قبل أن يتقدم بطلب للاستفادة من الأسواق النموذجية التي أُحدثت لإدماج الباعة المتجولين، غير أنه يؤكد أن طلبه رُفض دون توضيح الأسباب.
ويقول: «كنت أعمل في الشارع، وأعوان السلطة يعرفونني ويشاهدونني باستمرار، وبعضهم وعدني أكثر من مرة بأنني سأستفيد. قدمت جميع الأوراق والطلبات، لكنني وجدت نفسي خارج اللائحة».
وبحسب روايته، استفاد أشخاص لم يكونوا يزاولون مهنة البيع بالتجول، في حين أُقصي هو رغم توفره على الوثائق وممارسة المهنة بصورة معلومة لدى السلطات المحلية.
ويضيف: «أشخاص لم يكونوا باعة متجولين حصلوا على محلات، بينما تم إقصائي أنا. والجميع في المنطقة يعرف كيف جرت بعض عمليات الاستفادة، وقد يأتي يوم تُكشف فيه جميع الخروقات».
ويؤكد المحدالي أن معلومات راجت بشأن وجود اسمه ضمن لائحة المستفيدين، قبل أن يكتشف لاحقاً أنه لم يحصل على أي محل.
ويقول: «سمعت أن اسمي شوهد في قائمة المستفيدين، لكنني لم أستفد في النهاية، ولم يخبرني أحد بسبب الإقصاء. إلى اليوم لا أعرف لماذا حُرمت من فرصة كانت ستعيد لي ولأسرتي جزءاً من الاستقرار».
أما ما استفاد منه ضمن برامج الرعاية اللاحقة، فيصفه بأنه محدود ولا يوازي حجم الضرر الذي لحق به وبأسرته.
ويقول: «ما قُدم لي لا يتجاوز فتاتاً لا يسمن ولا يغني من جوع. أنا لا أبحث عن صدقة ولا عن مساعدة ظرفية، بل عن حقي في الإنصاف والعيش الكريم».
ويشدد المحدالي على أن مطلبه لا يقتصر على تعويض مالي، بل يشمل جبر الضرر الصحي والنفسي والاجتماعي، وإعادة الاعتبار له ولأسرته، وتمكينه من حقه في الشغل.
ويقول: «أنا لا أطلب صدقة من أحد. أطالب بجبر الضرر الكامل، مادياً ومعنوياً وصحياً، وبحقي في الشغل، وبإعادة الاعتبار لي ولزوجتي وأبنائي وأمي».
كما يطالب بفتح ملف معتقلي ما بعد سنة 2003، والاستماع إلى شهادات المتضررين، والتحقيق في ادعاءات التعذيب والتمييز وسوء المعاملة.
ويختم قائلاً: «السجن لم ينته يوم غادرت الزنزانة. السجن استمر في المرض والبطالة والإقصاء والخوف الذي عاشته أسرتي. أطالب بفتح هذا الملف بإنصاف، وبمحاسبة كل من مارس التعذيب والإهانة والتمييز، لأن الظلم لا يسقط بمجرد انتهاء مدة العقوبة».
