بقلم: الباز عبدالإله
ترقد الشابة المغربية بثينة العرج، البالغة من العمر 27 سنة، في وضع صحي حرج داخل مصحة بجمهورية الدومينيكان، بعدما تعرضت لحادث سير خطير وخضعت لعملية جراحية على مستوى الرأس، بينما تواجه أسرتها شرطاً مالياً بقيمة 40 ألف دولار، أي نحو 400 ألف درهم، لضمان استمرار علاجها.
وأوردت جريدة «هسبريس»، الأربعاء 5 غشت 2026، أن أسرة الشابة المغربية أطلقت نداء استغاثة عاجلاً من أجل إنقاذ حياتها، بعدما طالبت المصحة التي ترقد بها بإيداع الضمان المالي خلال مهلة قصيرة لمواصلة الرعاية الطبية.
وقال محمد أمين العرج، شقيق بثينة، في تصريح للجريدة، إن شقيقته تعرضت للحادث قبل أربعة أيام أثناء وجودها بجمهورية الدومينيكان، وإن قوة السقوط تسببت لها في نزيف داخلي على مستوى الرأس، استدعى إخضاعها لعملية جراحية مستعجلة.
وأوضح أن بثينة لم تكن تتوفر على تأمين صحي يغطي مصاريف العلاج، وأن الأسرة لم تعلم بالحادث إلا بعدما خضعت للعملية الجراحية التي تكللت بالنجاح، قبل أن تتوصل بخبر مطالبة المصحة بإيداع مبلغ مالي كبير من أجل استكمال العلاج.
وبحسب الشقيق، فإن الحالة الصحية لبثينة سجلت تحسناً نسبياً، لكنها ما تزال غير مستقرة وتحتاج إلى مراقبة طبية دقيقة، بسبب احتمال ظهور مضاعفات جديدة وعدم استبعاد الأطباء وجود إصابات داخلية أخرى.
وأضاف أن عدداً من المحسنين ساهموا في توفير مبلغ أولي مكّن من إجراء العملية وتغطية جزء من المصاريف، غير أن المصحة أبلغت الأسرة بضرورة إيداع ضمان مالي بقيمة 40 ألف دولار خلال مهلة قصيرة، وإلا ستتوقف، وفق ما نقلته الأسرة، عن تقديم العلاج اللازم.
وكشف محمد أمين العرج أن شقيقته توجد بمفردها في جمهورية الدومينيكان، دون حضور أي فرد من أسرتها إلى جانبها، وأنه شرع في تجديد جواز سفره حتى يتمكن من السفر إليها، كما تقدم بطلب إلى وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج من أجل التدخل والتنسيق مع المصحة والسلطات المختصة.
وسجل المتحدث أن الأسرة تواجه صعوبة في التواصل مع التمثيلية القنصلية المغربية، وأن المعلومات المتعلقة بالحالة الصحية لشقيقته تصل إليها عن طريق صديقة توجد إلى جانبها هناك.
ونفى شقيق بثينة أن تكون قد سافرت إلى جمهورية الدومينيكان من أجل السياحة، مؤكداً أنها كانت تعمل هناك وتستعد للانتقال إلى مكان عمل جديد خلال الأسبوع الجاري قبل وقوع الحادث.
وقال إن شقيقته لا تستفيق إلا لفترات قصيرة، وتدخل عند استيقاظها في حالة اضطراب شديد، ما يدفع الطاقم الطبي إلى تهدئتها بالأدوية حتى لا تعرض الأجهزة والتجهيزات الطبية المرتبطة بها للخطر.
لا تكشف هذه المعطيات فقط محنة أسرة مغربية تبحث عن 40 ألف دولار خلال ساعات، بل تضع أمام الرأي العام سؤالاً أكبر حول دور المؤسسات والجمعيات التي تتحدث باسم مغاربة العالم، وتستفيد من الشراكات وبرامج الدعم العمومي الموجهة إلى الجالية.
أين توجد هذه الجمعيات عندما تصبح شابة مغربية بين الحياة والموت في بلد بعيد، وأين شبكات المساعدة والمواكبة الاجتماعية والقانونية التي يتكرر الحديث عنها في الندوات والملتقيات والخطابات الرسمية.
لا يتعلق الأمر بمطالبة جمعية صغيرة تعمل بإمكاناتها الذاتية بتحمل فاتورة علاج تصل إلى 40 ألف دولار، بل بمساءلة الهيئات المستفيدة من الدعم العمومي، والتي تقدم نفسها وسيطاً بين الدولة ومغاربة العالم، عن طبيعة تدخلها عند وقوع حالة إنسانية مستعجلة.
ويمتد السؤال إلى مجلس الجالية المغربية بالخارج، الذي يشغل عبد الله بوصوف منصب أمينه العام منذ تعيينه سنة 2007، وفق الموقع الرسمي للمجلس، الذي يؤكد أنه ما يزال يحتفظ بالمنصب إلى اليوم.
صحيح أن مجلس الجالية مؤسسة دستورية ذات طبيعة استشارية، وليس مصحة أو شركة تأمين أو جهة تنفيذية مكلفة بأداء الفواتير الطبية، لكن بقاء شابة مغربية وحيدة في بلد بعيد، وسط صعوبة أسرتها في التواصل مع التمثيلية القنصلية، يطرح سؤالاً حول قدرة المجلس على التنبيه والتنسيق وتحريك شبكة علاقاته وشركائه عندما يتعلق الأمر بحياة مواطنة مغربية.
بعد ما يقارب عقدين من وجود بوصوف على رأس الأمانة العامة للمجلس، يحق للمغاربة أن يعرفوا إن كانت المؤسسة تتوفر على آلية لرصد الحالات الإنسانية الطارئة، وهل تواصلت مع أسرة بثينة أو مع وزارة الخارجية، وهل قامت بتوجيه الأسرة نحو المصالح والهيئات القادرة على تقديم المساعدة.
لا تكفي اللقاءات والندوات وإصدار الكتب والحديث عن الهوية والاندماج والارتباط بالوطن، لأن فعالية مؤسسة تعنى بقضايا الجالية لا تقاس فقط بعدد الأنشطة المنظمة، بل أيضاً بقدرتها على إسماع صوت المغربي عندما يواجه الخطر في بلد الإقامة.
أما مسؤولية التواصل القنصلي والمواكبة والتنسيق، فتظل مرتبطة بوزارة الشؤون الخارجية والتمثيليات الدبلوماسية والقنصلية المختصة، التي ينتظر منها التواصل مع الأسرة والمصحة والسلطات المحلية، والتحقق من الحالة الطبية وقيمة الضمان المطلوب، والعمل على تسهيل وصول أحد أفراد الأسرة إلى بثينة.
كما تطرح القضية مسؤولية الجمعيات المدعومة من المال العام في الكشف عن طبيعة التحركات التي قامت بها، بدل الاكتفاء بإعادة نشر النداء بعد انتشاره على مواقع التواصل الاجتماعي، وانتظار أن يتحمل المحسنون وحدهم تكلفة الإنقاذ.
وسبق للمجلس الأعلى للحسابات أن سجل، في تقييمه لبرامج العرض الثقافي الموجهة إلى مغاربة العالم، أن الوزارة المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج منحت، خلال الفترة الممتدة بين 2008 و2015، إعانات بقيمة إجمالية ناهزت 239.55 مليون درهم لفائدة جمعيات تعمل من أجل مغاربة العالم داخل المغرب وخارجه.
وأشار التقرير إلى غياب سياسة شاملة وخطوط توجيهية عملية تحدد أهداف دعم الجمعيات وشروطه وأولوياته، مع عدم ربط الإعانات بأولويات جغرافية وموضوعات مبنية على تحليل مسبق لحاجيات مغاربة العالم وانتظاراتهم.
وبالاستناد إلى تحليل منفصل لتوزيع الإعانات خلال سنوات 2012 و2013 و2014 و2016، سجل التقرير أن الجمعيات العاملة في إسبانيا استفادت من 42 في المائة من المبالغ التي شملها التحليل، مقابل 13 في المائة لفرنسا، و7 في المائة لبلجيكا، و4 في المائة لكندا، فيما تراوحت حصة الجمعيات العاملة في هولندا والولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا بين 1 و2 في المائة.
وسجل قضاة الحسابات أن دعم الوزارة لمشاريع الجمعيات العاملة لفائدة مغاربة العالم لم يشمل مناطق جغرافية من بينها إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والبلدان العربية.
وتكتسب هذه الملاحظة دلالة خاصة في قضية بثينة، الموجودة بجمهورية الدومينيكان في منطقة الكاريبي وأمريكا اللاتينية، حيث تعيد محنتها طرح سؤال التغطية الجغرافية لبرامج الدولة وشبكات الجمعيات العاملة باسم مغاربة العالم.
كما رصد التقرير غياب تقييم مسبق لقدرات الجمعيات المستفيدة في مجالات التدبير والتنظيم والموارد المتاحة، وعدم اعتماد منهجية رسمية تستند إلى مؤشرات واضحة لتتبع المشاريع الممولة وقياس أدائها وأثرها على الفئات المستهدفة.
ولا تثبت هذه الملاحظات أن جمعية بعينها قصرت في قضية بثينة، كما أنها تعود إلى فترة سابقة وتندرج ضمن تقييم برامج العرض الثقافي والشراكات مع المجتمع المدني، لكنها تبرر المطالبة بنشر لوائح الجمعيات المستفيدة من الدعم العمومي، وقيمة التمويلات الممنوحة لها، والمشاريع المنجزة ونتائجها، حتى يعرف دافع الضرائب أين تصرف الأموال المرصودة باسم مغاربة العالم.
وكان الملك محمد السادس قد أشاد، في خطاب 6 نونبر 2024، بروح الوطنية التي يتحلى بها المغاربة المقيمون بالخارج، والتزامهم بالدفاع عن مقدسات الوطن والمساهمة في تنميته، قبل أن يدعو إلى إحداث تحول جديد في تدبير شؤون الجالية.
ودعا الملك إلى إعادة هيكلة المؤسسات المعنية بها، بما يضمن عدم تداخل الاختصاصات وتشتت الفاعلين و«التجاوب مع حاجياتها الجديدة».
وأكد الملك أن مجلس الجالية المغربية بالخارج، باعتباره مؤسسة دستورية مستقلة، يجب أن يقوم بدوره كاملاً إطاراً للتفكير وتقديم الاقتراحات، وأن يعكس تمثيلية مختلف مكونات الجالية، مع تسريع إخراج قانونه الجديد وتنصيبه.
كما وجه إلى إحداث «المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج» لتشكل الذراع التنفيذي للسياسة العمومية في هذا المجال، وتتولى تجميع الصلاحيات المتفرقة بين عدد من الفاعلين، وتنسيق وإعداد الاستراتيجية الوطنية للمغاربة المقيمين بالخارج وتنفيذها.
وتضع محنة بثينة المؤسسات المعنية أمام جوهر التوجيه الملكي، لأن التجاوب مع حاجيات الجالية لا ينبغي أن يظل محصوراً في التأطير الثقافي والندوات والملتقيات، بل يفترض أن يظهر أيضاً في حالات الخطر والاستعجال، عندما يحتاج مواطن مغربي إلى المواكبة القنصلية والتنسيق المؤسساتي والتدخل الإنساني.
القضية تقدم اليوم اختباراً عملياً لهذا الورش، لأن الأمر لا يتعلق بندوة جديدة حول الجالية، بل بمواطنة مغربية تواجه وضعاً صحياً حرجاً، وبأسرة لا تعرف كيف توفر 40 ألف دولار ولا كيف تصل بسرعة إلى ابنتها.
القيمة الحقيقية للمؤسسات والجمعيات لا تظهر خلال حفلات الاستقبال الصيفية ولا في صور الملتقيات والموائد المستديرة، بل تظهر عندما يحتاج مغربي في الخارج إلى من يتصل بالمصحة، ويواكب أسرته، ويساعده على الوصول إلى الجهات المختصة.
حين يتعلق الأمر بتحويلات مغاربة العالم واستثماراتهم، يصبحون رقماً أساسياً في الخطاب الرسمي، وحين تصبح واحدة منهم بين الحياة والموت، تجد أسرتها نفسها أمام نداء إلكتروني وتبرعات المحسنين.
لذلك لا ينحصر السؤال في الجهة التي ستوفر 40 ألف دولار لإنقاذ بثينة، بل يمتد إلى من يستفيد من المال العام باسم الجالية، وأين توجد هذه المؤسسات والجمعيات عندما يحتاج إليها مغربي فعلياً في الخارج.
