لم يقدم عمر الشرقاوي نفسه للمغاربة مجرد أستاذ جامعي ومحلل سياسي، بل حرص على بناء صورة «ولد الشعب» الذي خرج من الفقر، وذاق الجوع، ودرس في المدرسة العمومية، وسار مسافات طويلة بحثاً عن العلم، قبل أن يصعد بفضل الإرادة والدراسة والاحتجاج من أحياء مكناس الفقيرة إلى الجامعة ومنابر الإعلام.
كتب الشرقاوي، في تدوينة حملت عنوان «قصتي»، أنه نشأ في حي بني محمد بمكناس، وبالضبط في درب فران صحراوة، قائلاً إنه كبر ودرس ولبس ولعب بـ«والو»، وإن حياته كانت بسيطة، بينما كان حلمه كبيراً.
تحدث عن الدراسة في مدرسة ابن تومرت بسباتة، ثم إعدادية صهريج السواني وثانوية ابن الهيثم، وعن حصوله على شهادة الباكالوريا سنة 1991، قبل أن يغادر مكناس إلى فاس من أجل دراسة القانون، في غياب كلية للحقوق بمدينته آنذاك.
روى كيف كان يتقاسم غرفة ضيقة مع طلبة آخرين، وينامون فيها «بحال السردين»، ويتناولون وجبات المطعم الجامعي بظهر المهراز مقابل 28 ريالاً، وسط ظروف وصفها بالقاسية، وكيف كان يقطع الطريق مشياً من حي مونفلوري إلى الكلية حتى تتعب قدماه، ويهرب أحياناً من أداء واجب الكراء، ويقترض المال إلى أن أصبح يخجل من مواجهة الناس.
وبعد حصوله على الإجازة سنة 1995، انتقل إلى الرباط من أجل دراسة العلوم السياسية، وأقام في الحي الجامعي، ثم واصل دراساته العليا إلى أن حصل على الدكتوراه.
لم يكن طريق الشرقاوي نحو الوظيفة سهلاً، بحسب روايته، فقد تزوج من دون عمل قار، واشتغل في الصحافة مقابل 4000 درهم، وكان يسافر يومياً إلى الدار البيضاء، بينما تحملت زوجته جزءاً كبيراً من أعباء الأسرة.
الأهم في قصته أنه لم ينتظر الحل الفردي وحده، بل خرج للاحتجاج رفقة الدكاترة أمام البرلمان، مطالباً الدولة بحقهم في التوظيف.
وبعد مشاركته في تلك الاحتجاجات، كما روى، جرى توظيفه مباشرة في السلم 11 داخل الوزارة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان، بأجرة بلغت آنذاك 7000 درهم، قبل أن ينتقل إلى مجلس النواب، ثم يختار لاحقاً التدريس الجامعي بعد نجاحه في مباراة ترأست لجنتها الأستاذة رقية المصدق.
هذه السيرة لم تكن مجرد قصة نجاح فردي، بل كانت في جوهرها قصة مواطن انتفع من المدرسة العمومية والجامعة العمومية والمطعم الجامعي والحي الجامعي والاحتجاج الجماعي والتوظيف المباشر داخل الدولة.
ولذلك، فإن المفارقة لا تبدأ من المكان الذي وصل إليه عمر الشرقاوي، فمن حق ابن الفقر أن ينجح، ومن حق الطالب الذي كان ينام «بحال السردين» أن يعيش في ظروف أفضل، ومن حق الدكتور الذي احتج طلباً للشغل أن يصبح أستاذاً جامعياً معروفاً.
المفارقة تبدأ من الخطاب الذي صار يصدر عنه بعد الوصول.
فالرجل الذي احتج أمام البرلمان من أجل أن توظفه الدولة، صار يسائل المحتجين عن جدوى المظاهرات، والرجل الذي فتح له التوظيف المباشر باب الاستقرار المهني صار يخاطب أجيالاً جديدة كما لو أن الإرادة الفردية وحدها قادرة على حل أزمة العمل والفقر وانسداد الأفق.
والرجل الذي كتب أنه عاش أياماً «كحلة»، وهرب من الكراء واستدان المال، صار يتحدث أمام شباب حزب التجمع الوطني للأحرار عن «شرعية للرفاه» أنتجتها، بحسب قراءته، حكومة عزيز أخنوش.
لم يبدأ الشرقاوي حضوره داخل النقاش العمومي مدافعاً دائماً عن الحكومة أو رجال الدولة، بل صنع جانباً من صورته بصفته أستاذاً جامعياً يتحدث بلغة مباشرة، وينتقد السلطة التنفيذية والأحزاب، ويضع نفسه قريباً من أسئلة المواطن العادي.
خلال سنة 2017، قال الشرقاوي إنه مُنع من الظهور على قناة «ميدي 1 تيفي» بسبب انتقاده عزيز أخنوش، وفي يوليوز 2018 وصف الوضع الذي كان يعيشه المغرب في عهد حكومة سعد الدين العثماني بأنه «أزمة سياسية صامتة»، ورأى أن ملتمس الرقابة يمكن أن يمثل أحد المخارج الدستورية الممكنة، وإن استبعد نجاحه بسبب موازين القوى داخل البرلمان.
كان ذلك هو عمر الشرقاوي الذي عرفه جزء من المغاربة: أستاذ جامعي ينتقد الحكومة، ويتحدث عن الأزمة السياسية، ولا يتردد في مساءلة السلطة التنفيذية عن مسؤوليتها.
لكن الرجل الذي تحدث عن منعه بسبب انتقاد أخنوش، انتهى بعد سنوات إلى تقديم حصيلة حكومته باعتبارها منتجة لما سماه «شرعية الرفاه»، ثم وضعه ضمن أحسن رؤساء الحكومات الذين مروا على المغرب.
ظهر التحول بصورة علنية خلال مشاركة الشرقاوي، في شتنبر 2024، في جامعة شباب التجمع الوطني للأحرار، الحزب الذي يقود الحكومة.
داخل ورشة بعنوان «الحكومة من شرعية الصناديق إلى شرعية الإنجازات»، تحدث الشرقاوي عن «شرعية الرفاه»، واعتبر أن برامج الحكومة أحدثت أثراً في حياة أكثر من 20 مليون مغربي، كما أشاد بالدعم الاجتماعي وأوراش الصحة والتعليم، وقدم جانباً من الانتقادات الموجهة إلى الحصيلة باعتباره متأثراً بخطاب شعبوي يحول الإنجاز إلى فشل.
هنا تستعيد سيرته الشخصية دلالتها السياسية.
فالشرقاوي الذي يتحدث عن رفاه صنعته الحكومة يعرف، من تجربته الخاصة، أن الأرقام والبرامج لا تكفي دائماً لإقناع المواطن بأنه يعيش حياة كريمة.
يعرف معنى أن يأكل الطالب وجبة رديئة لأنه لا يملك بديلاً، وأن يمشي مسافات طويلة لأنه لا يملك ثمن النقل، وأن يقترض المال من أصدقائه، وأن يتزوج من دون عمل قار، وأن يقف أمام البرلمان مطالباً الدولة بإيجاد وظيفة له.
كان من المنتظر أن تجعل هذه التجربة الشرقاوي أكثر قدرة على فهم الشاب العاطل، والطالب الفقير، والمحتج الذي لا يرى في بيانات الحكومة جواباً عن معاناته، لا أن تتحول قصته إلى موعظة تقول للآخرين إن الإرادة وحدها تكفي.
لم يخرج الشرقاوي من الفقر بالإرادة الفردية وحدها، بل خرج أيضاً بفضل مؤسسات عمومية وقرار سياسي بالتوظيف المباشر جاء بعد احتجاج جماعي.
لو رفضت الدولة توظيف الدكاترة آنذاك، ولو قيل لهم إن المظاهرات لا تعالج شيئاً، ربما كانت قصة حياته ستأخذ مساراً مختلفاً.
ولهذا تبدو نبرته تجاه احتجاجات المحامين والشباب مثيرة للمفارقة.
تساءل في تعليقه على احتجاجات المحامين: «واش هادو بصح محامين؟ واش المظاهرات تعالج شيئاً؟»، معتبراً أن القانون يناقش داخل البرلمان، وأن الوزير طلب تقديم المقترحات.
لكن الشرقاوي نفسه لم يكتف، حين كان دكتوراً عاطلاً، بإرسال مذكرة إلى الوزارة أو انتظار النقاش داخل المؤسسات، بل خرج للاحتجاج أمام البرلمان قبل أن يستفيد رفقة زملائه من التوظيف المباشر.
المظاهرة التي واكبت تحولاً أساسياً في حياته تصبح، عندما يمارسها الآخرون، موضع تشكيك في جدواها.
والاحتجاج الذي كان وسيلة مشروعة لمطالبة الدكاترة بالعمل، يصير اليوم متهماً بتعطيل مصالح المواطنين أو بخدمة أجندات أو بالاختباء وراء الشباب.
في بداية احتجاجات الشباب، أقر الشرقاوي بشرعية المطالب المتعلقة بالصحة والتعليم ومحاربة الفساد، لكنه كتب مخاطباً من اعتبرهم مستغلين لها: «اللي عندو مشكل مع الدولة يخرج ليها ديريكت، ما يتخباش وراء أجساد وليدات 2000 ومطالبهم المشروعة».
الصياغة تعترف بمشروعية المطالب، لكنها تنقل مركز النقاش سريعاً من أسباب الاحتجاج ومسؤولية الحكومة إلى فرضية وجود أطراف تستعمل الشباب لاستهداف الحكم والدولة.
وعندما وقعت أعمال عنف، ركز الشرقاوي على إدانة التخريب ومن حاولوا تبريره، وهو موقف مشروع، لكن سؤال الأسباب الاجتماعية والتدخل الأمني ومسؤولية السياسات العمومية تراجع أمام خطاب الاختراق والتوظيف والسطو على مطالب الشباب.
وبلغت هذه المفارقة مستوى أوضح بعد مشاهد العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة خلال صيف 2026.
توقف الشرقاوي عند شاب يبلغ 16 سنة قال: «ماذا أعطانا المغرب؟»، فرد عليه: «آش بغيتيه يعطيك؟»، قبل أن يستحضر مسؤولية التربية والأسر، ويطرح لاحقاً سؤالاً عن «السر وراء هجرة القاصرين بدعم من أولياء أمورهم».
كان بإمكان الشرقاوي أن يرى داخل ذلك الطفل صورة قريبة من الطالب الذي كانه يوماً، شاباً خرج من حي فقير، عاش بـ«والو»، ولم يجد كلية الحقوق في مدينته، واضطر إلى الرحيل والعيش في غرفة مكتظة وتناول وجبات لا تليق بالطلاب.
لكنه عوض أن يبدأ بسؤال ما الذي قدمته المدرسة وسوق الشغل والحكومة لذلك القاصر، بدأ بسؤال الطفل وأسرته.
الطفل الذي خاطر بحياته أصبح مطالباً بتفسير ماذا يريد من المغرب، بينما ظل المسؤول الذي يدبر السياسات العمومية بعيداً عن مركز المساءلة.
مسؤولية الأسرة عن حماية القاصر لا نقاش فيها، لكن الشرقاوي يعرف من سيرته أن الفقر ليس قراراً عائلياً، وأن البطالة ليست نتيجة ضعف الإرادة فقط، وأن الشباب لا يخرجون إلى الشارع أو البحر لأن آباءهم فشلوا وحدهم في تربيتهم.
قصته الشخصية نفسها تقول إن المواطن قد يمتلك الإرادة ويظل محتاجاً إلى مدرسة عمومية وجامعة وحي جامعي ووظيفة وقرار سياسي يفتح أمامه باباً كان مغلقاً.
ولا يتوقف التحول عند موقفه من الحكومة والاحتجاج، بل يمتد إلى اللغة التي صار يستعملها في الدفاع عن بعض كبار المسؤولين، وفي مواجهة منتقدي من يقدمهم باعتبارهم «رجال دولة».
وكتب في أحد منشوراته: «أصبحنا في زمن يتطاول فيه السفيه على رجل الدولة، بحجة حرية التعبير ومحاربة الفساد المفترى عليه».
تكشف هذه العبارة الفرق بين الدفاع عن الدولة والدفاع عن المسؤولين داخلها.
الدولة مؤسسة مشتركة بين المواطنين، أما المسؤول العمومي فيصيب ويخطئ ويخضع للمساءلة، ولا تمنحه صفته حصانة أخلاقية تجعل منتقده سفيهاً.
حين يوصف المسؤول تلقائياً بأنه «رجل دولة»، بينما يوصف منتقده بأنه سفيه أو شعبوي أو مشوش، تصبح كفة النقاش محسومة قبل فحص الوقائع.
وتبرز مفارقة أخرى في سيرة الشرقاوي نفسه.
فقد كتب أنه غادر مجلس النواب رغم أجره الجيد، لأنه لم يشعر بالراحة، ولأنه لا يريد أن يكون موظفاً تحت سلطة رئيس وخاضعاً للضغوط السياسية داخل البرلمان.
كان واعياً إذن بخطورة السلطة والضغط السياسي على استقلالية المواطن، لكنه ظهر بعد سنوات داخل جامعة الحزب الذي يقود الحكومة، ليمنح حصيلته شرعية سياسية واجتماعية، ويشرح للحاضرين أن الانتقادات قد تحول الإنجاز إلى فشل.
من حقه أن يغير رأيه، ومن حقه أن يقتنع بأن حكومة أخنوش حققت إنجازات، لكن من حق المواطن أيضاً أن يسأل أين انتهت المسافة التي كان يقول إنه يبحث عنها بعيداً عن سلطة رؤساء المؤسسات وضغوط السياسة.
ليس السؤال كيف أصبح ابن بني محمد أستاذاً معروفاً، ولا كيف انتقل من راتب 4000 درهم إلى وضع اجتماعي أفضل.
النجاح ليس تهمة، والفقر ليس قدراً يجب أن يبقى المواطن سجيناً له حتى يثبت انتماءه إلى الشعب.
السؤال الحقيقي هو ماذا فعل النجاح ببوصلة الخطاب.
هل حمل الشرقاوي معه إلى الجامعة والمنابر ذاكرة الطلبة الذين كانوا ينامون «بحال السردين»، أم تركها وراءه في غرفة فاس؟
هل يتذكر، حين يسائل المحتجين، أنه حصل على وظيفته بعد مشاركته في احتجاج أمام البرلمان؟
هل يتذكر، حين يتحدث عن «شرعية الرفاه»، أن الفقير لا يقيس الرفاه بعدد المستفيدين المسجلين في برنامج، بل بما يبقى في جيبه وبما يجده داخل المدرسة والمستشفى وسوق الشغل؟
وهل يدافع اليوم عن الدولة بوصفها شعباً ومؤسسات وحقوقاً، أم عن رجال الدولة بوصفهم أشخاصاً ينبغي حمايتهم من النقد؟
المفارقة ليست أن عمر الشرقاوي خرج من الفقر وأصبح حاضراً داخل منصات الأحزاب ودوائر النقاش المؤسسي، بل أن قصته التي كان يمكن أن تكون مدخلاً للدفاع عن المحرومين صارت تستعمل لإلقاء درس في الإرادة على من لا يزالون عالقين في الدروب نفسها.
والمفارقة الأكبر أن الرجل الذي استفاد من الاحتجاج ومن التوظيف المباشر ومن المدرسة والجامعة العموميتين، صار أكثر استعداداً لمساءلة المحتج والطفل والأسرة، قبل مساءلة الحكومة التي تملك القرار والميزانية والسلطة.
ليس أخطر ما حدث لعمر الشرقاوي أنه أصبح «مع الدولة»، لأن الدفاع عن الدولة ليس تهمة.
الأخطر أنه صار، في محطات كثيرة، يخلط بين الدولة والمسؤولين، وبين الوطن والحكومة، وبين احترام المؤسسات وتحصين رجالها من النقد.
«ولد الشعب» ليس من ولد فقيراً فقط، ولا من يروي للناس كيف كان يأكل العدس في المطعم الجامعي ويمشي حتى تتعب قدماه.
ولد الشعب هو من لا ينسى، عندما يصل، أن خلفه آلاف الطلبة الذين ما زالوا ينامون في الغرف المكتظة، وآلاف الخريجين الذين لم يجدوا توظيفاً مباشراً، وآلاف الأسر التي لا تملك انتظار معجزة فردية.
قصة الشرقاوي تقول إن الاحتجاج واكب تحولاً حاسماً في حياته، وإن المدرسة العمومية فتحت له الطريق، وإن الدولة وظفته بعد أن طالب رفقة زملائه بحقهم في العمل.
أما خطابه اليوم، فيسأل الآخرين لماذا يحتجون، وماذا يريدون من المغرب، ولماذا لا يرون «الرفاه» الذي يراه من فوق منصة الحزب الحاكم.
وهنا لا يعود السؤال من أين جاء عمر الشرقاوي، بل إلى أي جهة غيّر بوصلته بعد أن وصل.
