بقلم: الباز عبدالإله
وضعت أرقام رسمية «صندوق دعم تمويل المبادرة المقاولاتية» أمام مفارقة مالية لافتة، بعدما بلغت موارده خلال سنة 2024 نحو 3.277 مليارات درهم، أي ما يقارب 327 مليار سنتيم، باحتساب الرصيد المرحل من السنوات السابقة، مقابل صفر درهم من النفقات المسجلة خلال السنة نفسها.
وتأتي هذه المعطيات في سياق ما أورده المجلس الأعلى للحسابات في تقريره حول تنفيذ قانون المالية لسنة 2024، المنشور رسمياً في 8 يوليوز 2026، ضمن تقييم تنفيذ نفقات الحسابات المرصدة لأمور خصوصية ومستويات استعمال الموارد المتاحة لها.
وتظهر الوثائق الرسمية المتعلقة بالحسابات الخصوصية للخزينة أن موارد «صندوق دعم تمويل المبادرة المقاولاتية» بلغت خلال 2024 ما مجموعه 3 مليارات و277.22 مليون درهم، مع احتساب الرصيد المرحل، في حين بلغت النفقات المسجلة خلال السنة نفسها 0.00 درهم.
ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الصندوق والأهداف التي أُحدث من أجلها، إذ يعود تأسيسه إلى قانون المالية لسنة 2020، باعتباره إحدى الدعامات المالية للبرنامج المندمج لدعم وتمويل المقاولات «انطلاقة»، الموجه إلى تسهيل ولوج حاملي المشاريع والمقاولات الصغيرة والصغيرة جداً إلى التمويل.
وقامت الهندسة المالية الأصلية للبرنامج على تعبئة 6 مليارات درهم على مدى ثلاث سنوات، بمساهمة قدرها 3 مليارات درهم من الدولة ومبلغ مماثل من القطاع البنكي، قبل إضافة ملياري درهم من صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً لدعم المبادرة المقاولاتية بالعالم القروي.
وتؤكد وزارة الاقتصاد والمالية، في معطياتها الرسمية بشأن البرنامج، أن صندوق دعم تمويل المبادرة المقاولاتية يشكل إحدى آليات تمويل «انطلاقة»، الذي أُحدث لتوسيع فرص التمويل أمام الشباب حاملي المشاريع والمقاولات الصغيرة.
غير أن قراءة رقم 2024 تقتضي التمييز بين الموارد المتاحة والأموال الجديدة المرصودة خلال السنة، إذ إن مبلغ 3.277 مليارات درهم يشمل الرصيد المرحل من السنوات السابقة، ولا يمثل بالضرورة اعتمادات جديدة ضُخت في الصندوق خلال 2024.
وكانت وثائق رسمية سابقة قد أظهرت وجود رصيد مهم مرحل لفائدة الصندوق عند نهاية سنة 2023، بما يفسر استمرار ظهور مبلغ يقارب 3.27 مليارات درهم ضمن موارده خلال السنة الموالية.
لكن المفارقة تبقى قائمة في مستوى التنفيذ، بعدما انتهت سنة 2024 دون تسجيل أي نفقات بالصندوق، رغم توفره على موارد بمليارات الدراهم، وبعدما سجل خلال السنوات السابقة مستويات فعلية من الإنفاق.
ولا يعني تسجيل صفر درهم من النفقات أن هذه الأموال اختفت أو جرى تبديدها، كما لا يعني أن كامل الموارد كان يتعين صرفها خلال سنة مالية واحدة، إذ تسمح القواعد المنظمة للحسابات الخصوصية للخزينة بترحيل الأرصدة من سنة إلى أخرى، كما يمكن أن ترتبط عملياتها ببرامج متعددة السنوات.
ولا يسمح المعطى أيضاً بالقول إن برنامج «انطلاقة» برمته توقف خلال 2024، لأن تمويل المقاولات في إطاره يمر عبر القروض البنكية وآليات الضمان والمواكبة، ولا يختزل في النفقات المسجلة مباشرة داخل هذا الحساب.
غير أن الحقيقة المحاسبية التي تطرحها الأرقام تبقى واضحة: صندوق أُحدث لدعم تمويل المبادرة المقاولاتية كانت تتوفر لديه خلال 2024 موارد تتجاوز 3.27 مليارات درهم، باحتساب الرصيد المرحل، بينما لم تسجل الوثائق المالية أي نفقات خلال السنة.
وتكتسي هذه الوضعية أهمية إضافية بالنظر إلى الملاحظات التي سجلها المجلس الأعلى للحسابات بشأن ضعف تنفيذ نفقات عدد من الحسابات المرصدة لأمور خصوصية، والفجوة بين حجم الموارد المتاحة والقدرة الفعلية على تنفيذ المشاريع والبرامج الممولة منها.
وربط المجلس ضعف التنفيذ في عدد من هذه الحسابات بعوامل من بينها التأخر في إبرام الاتفاقيات وتعثر بعض المشاريع والإكراهات المرتبطة بالقدرات التدبيرية للجهات المكلفة بالتنفيذ، داعياً إلى تحسين دقة البرمجة وربط الموارد المرصودة بالقدرة الحقيقية على استعمالها.
وتزداد أهمية السؤال بالنسبة إلى صندوق دعم تمويل المبادرة المقاولاتية لأن الأمر يتعلق بآلية أُحدثت أصلاً للمساهمة في معالجة واحدة من أبرز الصعوبات التي تواجه حاملي المشاريع والمقاولات الصغيرة، وهي صعوبة الولوج إلى التمويل، في مجال يرتبط مباشرة بتشجيع الاستثمار وخلق فرص الشغل.
كما أوضحت وزارة الاقتصاد والمالية، في سياق تدبير الحسابات المرصدة لأمور خصوصية، أن عدداً منها يمول برامج متعددة السنوات، وأن الموارد قد تتراكم بوتيرة أسرع من تنفيذ النفقات، فضلاً عن وجود موارد ذات طبيعة احتياطية أو مرتبطة بعمليات لا تنفذ بالضرورة خلال سنة مالية واحدة.
غير أن هذه التفسيرات العامة لا تقدم، في حد ذاتها، جواباً تفصيلياً عن حالة «صندوق دعم تمويل المبادرة المقاولاتية»، ولا توضح أسباب تسجيل صفر درهم من النفقات خلال 2024 رغم وجود أكثر من 3.27 مليارات درهم ضمن موارده.
وهنا يبرز السؤال الذي تطرحه الأرقام الرسمية: لماذا لم يسجل صندوق أُحدث لدعم تمويل المبادرة المقاولاتية أي نفقات خلال سنة كاملة، رغم توفره على أكثر من 3.27 مليارات درهم من الموارد باحتساب الرصيد المرحل، وما طبيعة العمليات المرتبطة بهذه الأموال ومتى يفترض تنفيذها؟
فعندما يتعلق الأمر بتمويل المقاولات وتشجيع المبادرة وخلق فرص الشغل، لا يكفي قياس السياسة العمومية بحجم الموارد المتراكمة داخل الحسابات، بل تصبح القدرة على تحويلها إلى تمويل ومواكبة فعلية جزءاً أساسياً من قياس نجاعة التنفيذ.
