بقلم: الباز عبدالإله
اختار إدريس السنتيسي، بعد انتقاله من الحركة الشعبية إلى حزب الاستقلال، أن يخصص جزءاً مهماً من حديثه الإعلامي لشرح أسباب مغادرته الحزب الذي قضى داخله أكثر من ثلاثة عقود، غير أن السؤال الذي يعني الناخب في مدينة سلا أكثر من تفاصيل الصراعات الداخلية للأحزاب يبدو مختلفاً: ماذا قدم السنتيسي للمدينة التي منحته، على مدى سنوات طويلة، مواقع انتخابية وسياسية وازنة؟
وخلال استضافته في برنامج «ساعة الحساب» الذي يبث عبر منصات جريدة «مدار21»، تحدث السنتيسي عن الأجواء التي سبقت مغادرته الحركة الشعبية، قائلاً إن إعلان عدم رغبته في الترشح للأمانة العامة للحزب لم يمنع، بحسب روايته، من بروز «مخاوف ومضايقات وتشويش» داخل اجتماعات الفريق، معتبراً أن ما جرى داخل الحزب «تجاوز الحد» ودفعه في النهاية إلى الاختيار بين الاستمرار وسط التوتر أو الانسحاب بهدوء.
وبالنسبة إلى السنتيسي، تشكل هذه التفاصيل جزءاً من تفسير قرار سياسي أنهى أكثر من ثلاثين سنة من الانتماء إلى الحركة الشعبية، لكن بالنسبة إلى المواطن الذي يتوجه إلى صندوق الاقتراع، لا يفترض أن يكون السؤال الأول هو من ضايق من داخل اجتماع حزبي أو من «شوّش» على من، بقدر ما تعنيه حصيلة المنتخب بعد سنوات من المسؤولية.
والمسار السياسي لإدريس السنتيسي في سلا طويل بما يكفي لطرح سؤال الحصيلة بقوة. فقرار للمجلس الدستوري يوثق انتخابه عضواً بمجلس النواب عن دائرة بطانة في اقتراع 14 نونبر 1997، فيما تسجل صفحته الرسمية بمجلس النواب ثلاث عضويات برلمانية سابقة، قبل عودته إلى المؤسسة التشريعية في انتخابات 2021 عن دائرة سلا المدينة.
وانتهت عضويته الأخيرة بعد تقديم استقالته من مجلس النواب يوم 27 يوليوز 2026، قبل التصريح بشغور مقعده، ما يعني أن الأمر لا يتعلق ببرلماني يخوض تجربته الأولى ويطلب مهلة للحكم على أدائه، وإنما بسياسي يعود حضوره داخل المؤسسة التشريعية إلى نهاية تسعينيات القرن الماضي، وراكم أربع تجارب برلمانية موثقة إلى جانب سنوات طويلة في التدبير المحلي.
ولا يتوقف المسار عند البرلمان، إذ يوثق الموقع الرسمي لجماعة سلا تولي السنتيسي رئاسة المجموعة الحضرية لسلا بين 1997 و2003، ثم رئاسة جماعة سلا بين 2003 و2009، بما مجموعه نحو اثنتي عشرة سنة متواصلة في مقدمة المسؤولية عن التدبير المحلي للمدينة.
وأمام هذا المسار، يصبح الحديث عن «التشويش» و«المضايقات» داخل الحركة الشعبية شأناً حزبياً يمكن أن تكون له أهميته بالنسبة إلى السنتيسي ورفاقه السابقين، لكنه ليس بالضرورة السؤال الأول الذي يطرحه المواطن في سلا.
فالمدينة عرفته في مواقع متقدمة من التدبير المحلي، وعرفته نائباً برلمانياً عنها ثم رئيساً لفريق نيابي، ولذلك فإن المحاسبة الانتخابية لا تتوقف عند أسباب مغادرته حزبه السابق، بل تمتد إلى ما تركته هذه السنوات الطويلة من أثر يمكن قياسه.
وقدم السنتيسي، خلال حواره الأخير، أرقاماً عن عمل الفريق الحركي، قائلاً إن الفريق تقدم بـ145 مقترح قانون تضم أكثر من ألف مادة، وإنه تصدر عدداً من مؤشرات العمل البرلماني، إلى جانب الأسئلة والحضور داخل اللجان والجلسات.
وتدخل هذه الأرقام ضمن تقييم أدائه رئيساً للفريق الحركي، لكنها تبقى، في جزء كبير منها، حصيلة فريق برلماني بأكمله، ولا تجيب وحدها عن سؤال الحصيلة الشخصية للنائب الذي مثل سلا المدينة.
والرجوع إلى بوابة مجلس النواب يظهر أن السنتيسي وجه بالفعل أسئلة مرتبطة مباشرة بسلا، شملت الاكتظاظ وضعف الخدمات الصحية، وأوضاع الفئات الهشة وبرامج الدعم، وتبسيط المساطر الإدارية، وغلاء الأسعار، وحصيلة تدخلات وزارة الصناعة والتجارة بالمدينة، وبرامج دعم الاستثمار الاجتماعي والإدماج الاقتصادي بالإقليم.
وهذه ممارسة تدخل في صميم العمل الرقابي للنائب البرلماني وينبغي احتسابها ضمن حصيلته، غير أن عدد الأسئلة وحده لا يكفي لقياس أثر التمثيل السياسي على الأرض.
فالوظيفة الدستورية للبرلماني ليست بناء المستشفيات أو تنفيذ المشاريع بنفسه، وإنما تشمل التشريع ومراقبة الحكومة والترافع عن قضايا المواطنين، وهو ما يجعل السؤال المشروع، بعد مسار طويل من التمثيل، هو: إلى ماذا انتهى هذا الترافع بالنسبة إلى سلا؟
ما الملفات التي تابعها السنتيسي حتى تحولت إلى قرارات؟ وما المشاريع أو الاعتمادات التي دافع عنها لفائدة المدينة؟ وما البرامج التي يستطيع أن يثبت، بالوثائق والمعطيات، مساهمته في الدفع بها؟ وما النتائج التي يمكن للساكنة قياس أثرها بعد كل هذه السنوات من التمثيل؟
واللافت أن معيار المحاسبة بالحصيلة والنتائج لم يضعه خصوم السنتيسي اليوم، بل سبق للرجل نفسه أن وضعه قبل عشر سنوات.
فخلال مهرجان خطابي نظم بقاعة هوليود بمدينة سلا مساء الجمعة 30 شتنبر 2016، في سياق الحملة الانتخابية، شدد إدريس السنتيسي، الذي كان حينها وكيل لائحة الحركة الشعبية بدائرة سلا المدينة، على ضرورة تقديم المنتخب حصيلة عمله أمام الساكنة.
ونقلت جريدة «الأحداث المغربية»، في مادة منشورة يوم السبت فاتح أكتوبر 2016، عن السنتيسي قوله إنه يتشرف بتقديم حصيلة عمله حين كان برلمانياً ورئيساً للجماعة الحضرية لسلا «ليس بالكلام ولكن بالوثائق».
وبحسب المصدر نفسه، استعرض السنتيسي خلال اللقاء ما اعتبرها منجزاته السابقة، ولوّح بوثائق مرتبطة باتفاقيات في قطاعات السكن والتعليم والصحة، كما أعلن استعداده لمناظرة باقي المترشحين حتى يتبين ما قدمه كل واحد للمدينة وما حصيلة عمله التشريعي.
وبعد عشر سنوات، يعود المعيار الذي اختاره السنتيسي بنفسه إلى الواجهة.
فإذا كان قد طالب سنة 2016 بأن تكون المحاسبة «ليس بالكلام ولكن بالوثائق»، فإن السؤال يصبح اليوم أكثر مشروعية بعد تجربة برلمانية جديدة ورئاسته للفريق الحركي: ماذا يمكن أن يضع أمام ساكنة سلا من وثائق ونتائج لقياس حصيلة السنوات التي تلت ذلك الخطاب؟
وهذه الأسئلة لا تنفي حق السنتيسي في مغادرة الحركة الشعبية أو الانضمام إلى حزب الاستقلال، كما لا تفترض أن تغيير الحزب في حد ذاته إدانة سياسية. فالانتقال من «السنبلة» إلى «الميزان» قرار سياسي قدم الرجل أسبابه، والناخب هو من سيحكم عليه في النهاية.
لكن المواطن لا يعيش داخل اجتماعات الأحزاب حتى تكون «المضايقات» و«التشويش» محور تقييمه للمنتخب، ولا يفترض أن تتحول الانتخابات إلى مجرد تغيير للألوان والشعارات بينما تبقى الحصيلة خارج النقاش.
السنتيسي يقول إنه يدخل حزب الاستقلال ويبدأ «من البداية».
لكن ذاكرة الناخب في سلا لا تبدأ من البداية.
أمامها تجربة انتخابية موثقة منذ 1997، وأربع تجارب برلمانية، ونحو اثنتي عشرة سنة في مقدمة تدبير المدينة، ثم رئاسة للفريق الحركي خلال الولاية التشريعية الأخيرة.
ومن حق السنتيسي أن يشرح ما يعتبره «مخاوف ومضايقات وتشويشاً» داخل حزبه السابق، ولماذا اختار الانتقال إلى الاستقلال، لكن الناخب ليس مطالباً بحل النزاعات الداخلية للأحزاب.
الناخب مطالب بمحاسبة من طلب صوته.
ولهذا يبقى السؤال الأثقل: بعد كل هذه السنوات… ماذا قدم إدريس السنتيسي لسلا؟
وبالمعيار الذي وضعه السنتيسي بنفسه قبل عشر سنوات:
«ليس بالكلام ولكن بالوثائق».
