بقلم: الباز عبدالإله
وضع المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أزمة العلاقة بين الشباب والسياسة في صلب تقريره السنوي برسم سنة 2025، مسجلاً مؤشرات على ضعف الثقة في المؤسسات السياسية التقليدية، على بعد أسابيع قليلة من الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026.
ويكتسي هذا المعطى وزناً ديمغرافياً لافتاً، إذ يفيد التقرير بأن المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و34 سنة يبلغ عددهم نحو 12 مليون شخص، بما يمثل قرابة 32 في المائة من مجموع سكان المملكة، وهي كتلة بشرية كبيرة تواجه تفاوتات في الولوج إلى فرص الشغل والتكوين والخدمات الاجتماعية وإمكانات الارتقاء الاجتماعي.
ويرصد المجلس تحولاً واضحاً في طرق انخراط الأجيال الشابة في الشأن العام، مع تزايد الاعتماد على أشكال أفقية وغير مركزية للتنظيم والتعبير، بعيداً عن قنوات الوساطة التقليدية، مشيراً إلى أن تحركات شبابية حديثة، سواء داخل مجموعات طلابية أو حركات عفوية، أظهرت استخداماً متزايداً للمنصات الرقمية من أجل التنظيم وتنسيق المطالب والتعبئة، ومن بينها تطبيق «ديسكورد».
وبحسب التقرير، يرى عدد من الباحثين الذين استمع إليهم المجلس أن هذه التحولات لا تعكس فقط تغير أدوات المشاركة السياسية، بل تشكل أيضاً تعبيراً عن مستوى أضعف من الثقة في المؤسسات السياسية التقليدية.
الأكثر دلالة سياسياً أن ممثلي التنظيمات الشبابية للأحزاب الممثلة في البرلمان، الذين استمع إليهم المجلس خلال شهري مارس وأبريل 2026، قدموا مجموعة من الأسباب لتفسير هذا الوضع، في مقدمتها صعوبة النخب السياسية في تقديم أجوبة للأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتكررة التي يتأثر بها الشباب بشكل خاص.
وحدد التقرير عاملاً آخر يرتبط بتصورات الشباب لقضايا الأخلاق والنزاهة داخل الحياة السياسية، مستحضراً القضايا التي يكون مسؤولون سياسيون أطرافاً فيها، إلى جانب محدودية تجديد النخب السياسية وضعف حضور الشباب داخل الهيئات القيادية للأحزاب.
وشملت جلسات الاستماع، التي عقدت في 16 و26 مارس و6 أبريل 2026، ممثلين عن التنظيمات الشبابية لأحزاب الحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية والاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية والعدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، بحسب ما توثقه إحالات التقرير.
وتأتي هذه الخلاصات في توقيت سياسي لافت، مع اقتراب الانتخابات التشريعية، بينما جرى تعديل الإطار المنظم للاستحقاقات بهدف إزالة عدد من العراقيل أمام مشاركة الشباب دون 35 سنة، ومن ذلك إمكانية استفادة المرشحين الشباب من دعم عمومي قد يغطي إلى حدود 75 في المائة من مصاريف حملاتهم، بمن فيهم مرشحون لا يتوفرون على تزكية حزبية.
غير أن المجلس لا يحصر أزمة المشاركة في شروط الترشح والتمويل، بل يذهب إلى ضرورة إحداث تحول أوسع في العلاقة بين المؤسسات والأجيال الجديدة، داعياً إلى إضفاء «روح ديمقراطية جديدة» أكثر جاذبية للشباب وقدرة على بناء الثقة، وإرساء مناخ سليم وشفاف، مع توفير فضاءات فعلية ومتاحة وذات مشروعية للتعبير والمشاركة.
كما يدعو المجلس المؤسسات والفاعلين العموميين إلى تطوير طرق التواصل والاستماع، بما يجعلها أكثر استيعاباً للغات الشباب وأدواتهم وفضاءاتهم الرقمية، مع اعتماد الحوار والإنصات والمشاركة في بناء الحلول بدل الاقتصار على قنوات التواصل التقليدية.
غير أن المجلس ينبه إلى أن الخلاصات المرتبطة بهذه «نقطة اليقظة» ما تزال ذات طابع استكشافي، وأن التوصيات المقدمة تظل أولية بالنظر إلى اعتمادها أساساً على جلسات الاستماع والتبادل، معلناً عزمه تخصيص رأي أكثر تفصيلاً سنة 2027 حول التعبيرات الجديدة للشباب، بالاستناد خصوصاً إلى بحث ميداني بشراكة مع المندوبية السامية للتخطيط.
وبذلك يضع التقرير السنوي 2025 للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الصادر في 224 صفحة، ملف الثقة السياسية للشباب ضمن أبرز «نقاط اليقظة» في ظرف انتخابي حساس، على بعد أقل من سبعة أسابيع من استحقاق ستكون فيه كتلة تقارب 12 مليون شاب واحدة من أهم الفئات التي تواجه الأحزاب والمؤسسات تحدي استعادة ثقتها وإقناعها مجدداً بجدوى المشاركة في الحياة السياسية.
