بقلم: الباز عبدالإله
رصد تحقيق نشرته صحيفة «The Guardian» البريطانية، اليوم الجمعة 7 غشت 2026، انتشاراً واسعاً لروايات سياسية ودعائية على شبكات التواصل الاجتماعي عقب أحداث العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة، مشيراً إلى مساهمة حسابات وشبكات مرتبطة بروسيا في تضخيم خطاب اليمين المتطرف وتقديم ما وقع باعتباره «هجوماً» منسقاً على الأراضي الإسبانية.
واستندت الصحيفة إلى تحليل أجرته مجموعة «411» المتخصصة في مكافحة التضليل، شمل نحو 4.5 ملايين منشور على شبكات التواصل الاجتماعي، وخلص إلى أن الروايات المرتبطة بأحداث سبتة انتشرت بسرعة كبيرة عبر سبع لغات، ووصلت إلى أكثر من 720 ألف مشاهدة خلال ست ساعات فقط يوم فاتح غشت.
وبحسب التحقيق، وصلت منشورات صادرة عن حسابات مرتبطة بشبكات روسية إلى أكثر من 500 ألف شخص خلال الأيام التي أعقبت موجة العبور، في وقت اعتبر فيه خبراء تحدثوا للصحيفة أن حجم وسرعة إعادة نشر هذه المضامين يعكسان تطور شبكات التضليل وقدرتها على استثمار الأزمات السياسية والاجتماعية داخل أوروبا.
وقالت الصحيفة إن موجة التضخيم برزت بشكل واضح يوم فاتح غشت، أي بعد يوم واحد من ذروة محاولات العبور من المغرب نحو سبتة المحتلة، حيث قدمت حسابات يمينية متطرفة الأحداث باعتبارها «اعتداءً» جرى تنسيقه عمداً، وروج بعضها لاتهامات بشأن تواطؤ السلطات، فيما أضافت حسابات أخرى مضامين معادية للمسلمين ونظريات مؤامرة ذات طابع معادٍ للسامية.
ولم يقتصر النشاط الرقمي، وفق «The Guardian»، على نشر الروايات السياسية، إذ رصد التحليل دعوات صادرة عن حسابات يمينية متطرفة إلى تجمع قوميين داخل سبتة من أجل القيام بما وصفوه بـ«دوريات» حول المنازل والمحلات التجارية، مع ظهور مؤشرات على محاولات للتنسيق بين بعض المشاركين.
وفي المقابل، فرّق تحليل «411» بين حملة التضخيم التي أعقبت الأزمة وبين التواصل الذي سبق عمليات العبور نفسها، إذ رصد نقاشات مكثفة بين أشخاص يفكرون في التوجه نحو سبتة بشأن طرق الوصول ومسارات العبور، خصوصاً في التعليقات أسفل المقاطع المصورة المنتشرة على شبكات التواصل الاجتماعي.
غير أن التحليل خلص إلى أن هذا التواصل بدا في معظمه «عضوياً»، وصادراً عن حسابات فردية صغيرة ومجهولة، وليس عن قناة مركزية واحدة أو جهة محددة تتولى تجنيد الراغبين في العبور أو تنظيم تحركاتهم.
وأشار التحقيق إلى أن شائعات انتشرت عبر الإنترنت أوحت لعدد من المغاربة بأن الحدود مفتوحة، بينما تضمنت منشورات أخرى إرشادات بشأن كيفية الوصول إلى سبتة، قبل أن تبدأ، بالتوازي مع استمرار الأزمة، موجة رقمية مضادة تبنتها حسابات من اليمين المتطرف داخل أوروبا.
وحددت مجموعة «411» قناة «Rybar» على تطبيق «تلغرام» باعتبارها أحد المصادر التي ساهمت في نشر الروايات الدعائية التي أعقبت الأزمة، فيما قالت «The Guardian» إن القناة مرتبطة بجهات روسية، وإن الشركة المرتبطة بها خضعت لعقوبات في أوروبا.
وبعد تداول المضامين عبر «Rybar»، دخلت حسابات وشبكات أخرى على الخط لإعادة نشرها وتوسيع دائرة وصولها، ومن بينها، بحسب التحقيق، حسابات مرتبطة بشبكة «Pravda»، التي توصف بأنها منظومة دولية لإعادة نشر مضامين دعائية مرتبطة بالكرملين.
وقال سامان نازاري، الباحث الرئيسي في منظمة «Alliance4Europe» الموجودة في بروكسيل، إن ما رُصد عقب أحداث سبتة يشبه نمطاً أصبح يتكرر خلال الأزمات الأوروبية، مشيراً إلى وجود بنية جاهزة قادرة على التقاط بعض الروايات وتضخيمها بسرعة عبر شبكات ومنصات مختلفة.
من جهته، اعتبر نيد مينديز، الباحث الرئيسي في «411»، أن سرعة انتشار التضليل خلال أزمة سبتة الحالية كانت أكبر بكثير مما سجل خلال أزمة ماي 2021، عندما عبر آلاف الأشخاص الحدود نفسها، موضحاً أن شبكات التضخيم أصبحت اليوم أكثر تنظيماً وقدرة على نقل مضمون معين بسرعة بين منصات وحسابات متعددة.
وشبه مينديز هذه الآلية بـ«طريق سريع للمعلومات» يمنح بعض المضامين قدرة على الانتشار والتضخيم لا تتوفر لمضامين أخرى، بينما حذر تحليل «411» من أن مصدر القلق لا يرتبط فقط بأحداث سبتة، بل بوجود شبكات إعادة نشر جاهزة يمكن أن تتحرك مجدداً عند وقوع أزمات حدودية أخرى بمنطقة البحر الأبيض المتوسط.
ولا يقدم التحقيق دليلاً على أن روسيا أو الحسابات المرتبطة بها دبرت موجة العبور نحو سبتة المحتلة، كما لا ينسب إليها تنظيم التحركات التي سبقتها، بل يركز على المرحلة التي أعقبت اندلاع الأزمة، وعلى الطريقة التي استُثمرت بها الأحداث رقمياً لتضخيم روايات سياسية وخطابات مرتبطة بالهجرة واليمين المتطرف داخل أوروبا.
