بقلم: الباز عبدالإله
رسم تحليل حديث للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية «IISS» صورة جديدة لسباق الإنفاق العسكري بين المغرب والجزائر، معتبراً أن استمرار ارتفاع الميزانية الدفاعية المغربية مقابل تراجع الإنفاق الجزائري خلال 2026 قد يشكل مؤشراً أولياً على بداية تقلص تدريجي في الفارق بين البلدين من حيث القدرة المالية على تمويل التسلح، من دون أن يعني ذلك أن المغرب تجاوز الجزائر عسكرياً أو من حيث حجم الإنفاق الحالي.
التحليل، الذي أعده الباحث في اقتصاديات الدفاع ويل هارفي-باول، نُشر على الموقع الرسمي للمعهد يوم 27 يوليوز 2026 تحت عنوان «التنافس المغاربي من منظور الإنفاق الدفاعي»، بعدما نُشر أولاً على منصة «Military Balance+» التابعة للمعهد يوم 24 يوليوز الجاري.
وبحسب المعطيات التي أوردها «IISS»، سترتفع ميزانية الدفاع المغربية خلال سنة 2026 إلى 73.8 مليار درهم، بما يعادل نحو 7.87 مليارات دولار، وهو أعلى مستوى تسجله المملكة وفق بيانات المعهد، مقابل 70.2 مليار درهم، أي نحو 7.51 مليارات دولار، خلال سنة 2025.
على الضفة الأخرى، يتوقع التحليل أن تتراجع ميزانية وزارة الدفاع الجزائرية خلال 2026 إلى 3.21 تريليونات دينار، أي نحو 24.5 مليار دولار، بعدما بلغت نحو 25.5 مليار دولار سنة 2025، وهو ما يمثل انخفاضاً اسمياً يقارب 4 في المائة، يرتفع إلى نحو 10 في المائة بالقيمة الحقيقية بعد احتساب التضخم.
ورغم هذا التراجع، تظل الجزائر صاحبة الميزانية العسكرية الأكبر بفارق واضح، إذ يشير المعهد إلى أنها أنفقت خلال 2025 أكثر من ثلاثة أضعاف ميزانية الدفاع المغربية، ما يجعل الحديث عن تحول في موازين الإنفاق مرتبطاً بالمسار المستقبلي وليس بالوضع الحالي.
ويعتبر «IISS» أن السؤال لم يعد مرتبطاً فقط بحجم ما تنفقه الرباط والجزائر حالياً، بل كذلك بقدرة كل بلد على مواصلة تمويل مستويات مرتفعة من الإنفاق العسكري خلال السنوات المقبلة، في ظل اختلاف أوضاعهما الاقتصادية والمالية.
ويبرز التحليل أن المغرب والجزائر استحوذا معاً خلال سنة 2025 على نحو 88 في المائة من مجموع الإنفاق الدفاعي القابل للرصد في شمال إفريقيا، بعدما خصص البلدان مجتمعين قرابة 33 مليار دولار لقطاع الدفاع، بما يعكس الحجم الذي بات يمثله التنافس العسكري بين البلدين في خريطة الإنفاق الأمني بالمنطقة.
ويربط المعهد القفزة الكبيرة في الإنفاق الجزائري خلال السنوات الأخيرة بتحول بدأ خصوصاً منذ سنة 2023، عندما تضاعفت ميزانية الدفاع تقريباً، لترتفع حصة القطاع من الناتج الداخلي الخام من 4.1 في المائة سنة 2022 إلى 8.9 في المائة خلال 2025، وهي نسبة يضعها «IISS» ضمن المستويات الأعلى عالمياً.
لكن الحفاظ على هذا الإيقاع، بحسب التحليل، أصبح يواجه تحديات مالية متزايدة، إذ يتوقع أن تتراجع حصة الإنفاق الدفاعي الجزائري إلى نحو 7.7 في المائة من الناتج الداخلي الخام خلال 2026، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد الجزائري بصورة كبيرة على عائدات النفط والغاز، التي شكلت خلال السنوات الأخيرة ما بين نصف وثلثي إيرادات الدولة.
في المقابل، يرى المعهد أن الوضع المالي المغربي يوفر مجالاً أكبر لزيادات تدريجية في ميزانية الدفاع، مستنداً إلى تنوع أكبر في بنية الاقتصاد وإلى تراجع عجز الميزانية إلى نحو 3.5 في المائة من الناتج الداخلي الخام خلال 2025.
كما استند تحليل «IISS» إلى تقدير للنمو المغربي بنسبة 4.9 في المائة خلال 2026، قبل أن يخفض صندوق النقد الدولي لاحقاً، في تحديث صدر خلال مارس، توقعه لنمو الاقتصاد المغربي إلى نحو 4.4 في المائة.
أما بالنسبة إلى الجزائر، فيورد التحليل توقعاً بنمو يقارب 3.8 في المائة خلال 2026، مع احتمال تراجعه إلى نحو 2.6 في المائة بحلول 2030، فيما تشير التقديرات التي يستند إليها المعهد إلى إمكانية اقتراب عجز الميزانية من مستوى 10 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وهي معطيات تطرح، بحسب «IISS»، أسئلة حول قدرة الجزائر على مواصلة مستويات الإنفاق الدفاعي نفسها مستقبلاً.
ولا يقتصر التنافس بين البلدين، وفق التحليل، على حجم الميزانيات، بل يمتد إلى طبيعة منظومات التسليح والشركاء العسكريين، إذ تواصل الجزائر الاعتماد بصورة واسعة على المعدات الروسية، إلى جانب أنظمة صينية وأوروبية، بينما يعتمد المغرب أساساً على الولايات المتحدة وموردين آخرين من دول حلف شمال الأطلسي، إضافة إلى أنظمة إسرائيلية وتعاون متزايد في مجال الصناعات الدفاعية.
ويشير «IISS»، بصيغة حذرة، إلى أن الجزائر ربما تكون قد حققت خلال الفترة الأخيرة أفضلية تكنولوجية في مجال الطيران الحربي، مستنداً إلى تقارير عن وصول أولى مقاتلات «Su-57» الروسية من الجيل الخامس، في الوقت الذي لم تسجل فيه التقارير المتعلقة باحتمال حصول المغرب على مقاتلات «F-35» الأمريكية تقدماً ملموساً.
في المقابل، يستفيد المغرب، بحسب المعهد، من برنامج «Excess Defense Articles» الأمريكي، الذي يتيح للدول المؤهلة الحصول على معدات عسكرية أمريكية فائضة أو خارجة من الخدمة بشروط مالية تفضيلية، وهو ما قد يدعم جهود تحديث القوات المسلحة خلال السنوات المقبلة.
ويخلص تحليل «IISS» إلى أن استمرار التوتر السياسي بين المغرب والجزائر، بالتوازي مع مواصلة البلدين تحديث قدراتهما العسكرية، سيُبقي المنافسة الدفاعية قائمة، غير أن الفارق في حجم الإنفاق قد يبدأ في التقلص تدريجياً إذا حافظ المغرب على زيادات مستقرة في ميزانيته، في وقت تواجه فيه الجزائر ضغوطاً مالية أكبر للحفاظ على مستويات إنفاقها الحالية.
ومع ذلك، يشدد المعهد على أن هذا المسار ليس محسوماً، لأن قدرة الجزائر على مواصلة الإنفاق العسكري ستظل مرتبطة، بدرجة كبيرة، بأسعار النفط والغاز، فضلاً عن ارتفاع اعتمادات الالتزام المخصصة لعقود عسكرية جديدة رغم تراجع الاعتمادات الفعلية المبرمجة لسنة 2026، وهو ما قد يعني استمرار الجزائر في إبرام عقود وبرامج تسلح جديدة حتى مع تراجع الإنفاق الجاري.
