بقلم: الباز عبدالإله
بعد أيام قليلة من موجة العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة، وما رافقها من وفيات ومشاهد لأطفال ويافعين وشباب يخاطرون بحياتهم للوصول إلى المدينة، حملت خطبة الجمعة ليوم أمس 7 غشت 2026 موضوعاً لافتاً في توقيته، تحت عنوان «الوطن والمواطنة بين الحقوق والواجبات».
الخطبة، المنشورة على الموقع الرسمي لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وضعت العلاقة بين المواطن ووطنه في قالب يقوم على الحقوق من جهة والواجبات من جهة أخرى، مركزة على حب الوطن والانتماء إليه والإخلاص له والمحافظة على أمنه واستقراره، في وقت لا يزال فيه النقاش العمومي مفتوحاً حول الأسباب التي دفعت أعداداً كبيرة من المغاربة إلى التوجه نحو سبتة المحتلة نهاية يوليوز الماضي.
وفي واحدة من أكثر فقراتها إثارة للنقاش، انتقلت الخطبة من الحديث عن الانتماء والواجبات إلى التحذير من استعمال حرية التعبير أو الرغبة في التغيير على نحو يمس ما وصفته بالأمن النفسي والروحي والفكري للوطن، إذ جاء فيها أنه «لا يجوز التشويش على الأمن النفسي والروحي والفكري للوطن بدعوى حرية التعبير».
وجاء هذا التحذير ضمن حديث الخطبة عن مجموعة من الواجبات المرتبطة بالمواطنة، من بينها المحافظة على أمن الوطن واستقراره واحترام القوانين وأداء المسؤوليات وإتقان العمل، في خطاب يضع على عاتق المواطن جملة من الالتزامات تجاه وطنه.
لكن الخطبة لم تتوقف عند الواجبات، إذ أقرت في المقابل بجملة من الحقوق التي يفترض أن يتمتع بها المواطن، وفي مقدمتها الأمن والمساواة والتعليم والصحة، وهي نفسها ملفات توجد منذ سنوات في قلب النقاش العمومي حول جودة الخدمات العمومية وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية والمجالية.
وهنا تحديداً تبرز مفارقة التوقيت، أكثر من مضمون الخطبة في حد ذاته، إذ تأتي دعوة المواطن إلى الوفاء بواجباته والمحافظة على الاستقرار بعد مأساة كشفت استعداد أطفال ويافعين وشباب ورجال للمغامرة عبر البر والبحر من أجل الوصول إلى سبتة المحتلة.
وإذا كانت الخطبة قد وضعت التعليم والصحة والمساواة ضمن حقوق المواطن، فإن أحداث سبتة تعيد في المقابل طرح السؤال عن مدى تحقق هذه الحقوق فعلياً، وعن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يمكن أن تجعل آلاف الأشخاص يعتبرون خبراً عن فتح الحدود فرصة تستحق المخاطرة بحياتهم من أجلها.
ولا تشير الخطبة إلى أحداث سبتة المحتلة، كما لم يعلن المجلس العلمي الأعلى أو وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن اختيار موضوع «الوطن والمواطنة» جاء رداً على ما وقع نهاية يوليوز، وبالتالي لا يمكن الجزم بوجود علاقة مباشرة بين الحدثين.
غير أن تزامن الخطبة مع تداعيات واحدة من أكثر موجات العبور الجماعي إثارة للجدل يمنح مضمونها حساسية خاصة، خصوصاً عندما يجتمع الحديث عن حقوق المواطن وواجباته مع التحذير من «التشويش» بدعوى حرية التعبير أو التغيير نحو الأفضل.
وتزداد دلالة هذا النقاش بالنظر إلى التحول الذي عرفه التأطير الديني الرسمي خلال السنوات الأخيرة، وخاصة مع «خطة تسديد التبليغ»، التي أعلن وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، في يناير الماضي، انطلاق مرحلة جديدة منها بحضور العلماء ورؤساء المجالس العلمية والأئمة والخطباء والمرشدين والمرشدات والوعاظ ومندوبي الوزارة.
ومؤسساتياً، لا يعني نشر الخطبة على منصة وزارة الأوقاف أن أحمد التوفيق كتبها أو اختار مضمونها شخصياً، إذ سبق للمجلس العلمي الأعلى أن أعلن أنه يقترح على الخطباء خطبة الجمعة كل يوم أربعاء «لمن أراد اعتمادها»، على أن يجري نشرها عبر موقع وزارة الأوقاف وصفحاتها وصفحات المجالس العلمية الجهوية والمحلية.
غير أن هذا التفصيل لا يلغي السؤال الذي يفرضه السياق: عندما يسمع المواطن من فوق المنبر حديثاً عن حماية الاستقرار والوفاء بالواجبات وعدم «التشويش» باسم حرية التعبير، فمن يفتح النقاش، بالوضوح نفسه، حول مسؤولية المؤسسات في ضمان الحقوق التي أقرت بها الخطبة ذاتها، وفي مقدمتها التعليم والصحة والمساواة، وحول الأسباب التي جعلت أطفالاً ويافعين وشباباً ورجالاً يرون في طريق سبتة المحتلة مخرجاً يستحق المجازفة بالحياة؟
