وجّه عبد العزيز أفتاتي، القيادي السابق بحزب العدالة والتنمية، انتقادات سياسية واسعة إلى طريقة تدبير الدولة والحكومة للأوضاع الاجتماعية والسياسية عقب مأساة الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة، معتبراً أن صور القاصرين والشباب وهم يخاطرون بأرواحهم للوصول إلى المدينة المحتلة كشفت، بحسب تعبيره، حجم «الانسداد الاجتماعي» وعمق الإحباط من المستقبل.
وقال أفتاتي، في تدوينة مطولة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، إن ما جرى لم يعد يسمح بالتعامل معه باعتباره مجرد واقعة هجرة غير نظامية، معتبراً أن خروج قاصرين يفترض أن يكونوا في المدارس والإعداديات للمغامرة بأرواحهم جماعياً يفرض أسئلة أوسع حول أسباب فقدان الأمل لدى فئات من المجتمع.
وأضاف أن صورة القاصرين، برأيه، تجعل السؤال أكثر ثقلاً عندما يتعلق الأمر بالشباب ومتوسطي العمر والنساء والرجال المنتمين إلى فئات اجتماعية مختلفة، معتبراً أن ما وقع يكشف عن «مأزق دولة بكاملها» وليس مجرد تعثر قطاع حكومي أو مؤسسة بعينها.
ووجّه أفتاتي انتقادات شديدة إلى النموذج التنموي وشعار الدولة الاجتماعية والسياسات الاستثمارية والبرامج الموجهة لمعالجة الفوارق المجالية، معتبراً أن مأساة سبتة المحتلة وضعت نتائج هذه الاختيارات أمام امتحان اجتماعي قاس، خصوصاً في ما يتعلق بتوزيع ثمار النمو وإحداث فرص الشغل وضمان تكافؤ الفرص.
ولم يفصل أفتاتي هذا النقاش عن سفر رئيس الحكومة عزيز أخنوش إلى مايوركا بجزر البليار، والذي جعله محوراً لانتقادات حادة في تدوينته، معتبراً أن وجود رئيس الجهاز التنفيذي خارج البلاد خلال ذروة تداعيات أزمة العبور الجماعي يستوجب، بحسب موقفه، «توضيحاً مسؤولاً».
وتساءل أفتاتي عن الكيفية التي يمكن أن يوجد بها رئيس الحكومة في إسبانيا تحديداً في لحظة كانت فيها البلاد تواجه واحدة من أثقل موجات العبور نحو سبتة المحتلة، معتبراً أن سفره في ذلك التوقيت يعطي، في نظره، صورة عن غيابه عن التتبع المباشر للأزمة.
وقال أفتاتي إن استمرار أخنوش على رأس الجهاز التنفيذي، في ظل ما جرى، يمثل بحسب تعبيره «قمة الاستفزاز وإهانة شعب مكلوم مكتملة الأركان»، منتقداً ما اعتبره غياباً واضحاً للحكومة ومكوناتها والجماعات الترابية عن النقاش المتعلق بالأسباب الاجتماعية والسياسية التي دفعت آلاف المغاربة إلى محاولة العبور.
وطالب أفتاتي بتحقيق «نزيه وشامل» لا يقتصر على تحديد الحصيلة البشرية، بل يمتد إلى الأسباب القريبة والبعيدة لما جرى، والمسؤوليات السياسية والمؤسساتية والاقتصادية والاجتماعية، في وقت قال فيه إن عشرات الأسر ما تزال تنتظر أخباراً عن أقارب لها في عداد المفقودين.
كما دعا إلى الوقوف إلى جانب أسر الضحايا ومواساتها، مترحماً على أرواح المغاربة والمغربيات الذين قضوا خلال الأحداث، قبل أن ينتقد طريقة تواصل السلطات مع الرأي العام، معتبراً أن حجم ما وقع كان يستدعي، في تقديره، لجنة لتقصي الحقائق ومساءلة مختلف مستويات المسؤولية.
وقال أفتاتي إن الدولة، بحسب تقييمه، «أخفقت في التوقع الاستباقي، وأخفقت في الاستجابة الفورية، وأخفقت حتى في تقديم فهم مقبول حول ما جرى»، قبل أن يضيف: «لا إقالات ولا استقالات ولا محاسبة ولا يحزنون».
واعتبر أن مشاهد الهجرة الجماعية وجهت ضربة أيضاً إلى الخطاب الرسمي المرتبط بإشراك الشباب في الحياة السياسية والانتخابات المقبلة، قائلاً إن صور القاصرين والشباب المتجهين نحو سبتة المحتلة تطرح سؤالاً صعباً حول المسافة بين المؤشرات الاقتصادية المعلنة والواقع الاجتماعي الذي تعيشه فئات واسعة.
وانتقد أفتاتي توزيع ثمار النمو، معتبراً أن المغرب لم ينجح، وفق قراءته، في ضمان تكافؤ حقيقي للفرص أو فتح المجال بالتساوي أمام المواطنين للولوج إلى التمويل والمقاولة والثروة، مقابل استفادة ما سماها «كارتيلات الرأسمال الكبير الريعي».
وربط الاستقرار الحقيقي بالمساواة في فرص التعليم والتنشئة والتمويل والمقاولة، وبالقطع مع احتكار مصادر الثروة وردم الفوارق الاجتماعية والمجالية، مؤكداً أن الاستثمار المنتج وفرص الشغل لفائدة الشباب يجب أن يكونا في صلب أي إصلاح سياسي واقتصادي جدي.
وأعاد أفتاتي أحداث سبتة إلى قلب النقاش حول انتخابات شتنبر 2026، متسائلاً عن إمكانية إجراء انتخابات نزيهة دون فتح الإعلام والنقاش العمومي أمام تقييم حقيقي لما جرى، ولحصيلة المرحلة السياسية السابقة.
وذهب أبعد من ذلك بالدعوة إلى «حسم الخيار الديمقراطي دون رجعة»، وفتح نقاش حول الانتقال نحو ملكية برلمانية وفق الشروط المغربية، مع القطع، بحسب تعبيره، مع «فبركة الحياة السياسية» والافتراس الاقتصادي وتجريف الانتخابات.
وختم أفتاتي تدوينته بأسئلة مفتوحة حول قدرة النخب والمؤسسات على تصحيح المسار قبل فوات الأوان، معتبراً أن العدالة الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص ليست شعارات ظرفية، بل شروط أساسية للاستقرار، قبل أن يستحضر أبياتاً شعبية تختزل، في نظره، حالة الضيق الاجتماعي: «مهمومة هاذ الدنيا مهمومة.. فيها النفوس ولات مضيومة».
