بقلم: الباز عبدالإله
يواجه المغرب معركة تحكيم دولية ثقيلة، بعدما طالبت شركتان مرتبطتان بشركة «Emmerson» المنجمية المدرجة في بورصة لندن بتعويض يبلغ 1.215 مليار دولار في قضية مشروع بوتاس الخميسات، أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار «ICSID» التابع لمجموعة البنك الدولي.
القضية، المسجلة تحت رقم ARB/25/22، رفعتها شركتا Khemisset UK Limited وPotasse de Khemisset S.A.، استناداً إلى اتفاقية حماية وتشجيع الاستثمارات المبرمة بين المغرب والمملكة المتحدة.
وتتهم الشركتان المغرب، ضمن ادعاءاتهما أمام هيئة التحكيم، بخرق التزاماته بموجب الاتفاقية الثنائية للاستثمار، على خلفية تعثر مشروع بوتاس الخميسات وصدور توصية غير مواتية بشأن ملف الموافقة البيئية والاجتماعية للمشروع.
وبحسب المعطيات التي أعلنتها «Emmerson»، جاء التعثر الحاسم بعد توصية غير مواتية صادرة عن اللجنة الجهوية الموحدة للاستثمار «CRUI» بجهة الرباط-سلا-القنيطرة بشأن ملف دراسة الأثر البيئي والاجتماعي للمشروع.
وكانت الشركة قد طعنت في المسار، قبل أن تعلن في أكتوبر 2024 أنها تقدمت أيضاً بتظلم إلى والي الجهة، غير أن المركز الجهوي للاستثمار أبلغها، وفق روايتها، بأن اللجنة الجهوية لا يمكنها إعادة فحص الملف، من دون تحديد مسار إضافي للطعن.
ولا تعني هذه الوقائع أن قرار السلطات المغربية كان غير مشروع، كما لا تعني أن مسؤولية المملكة أصبحت ثابتة، إذ إن هذه النقطة تحديداً أصبحت جزءاً من النزاع المعروض على التحكيم.
كما أن مبلغ 1.215 مليار دولار يمثل مطالبة بالتعويض مقدمة من المستثمرين، وليس حكماً صادراً ضد المغرب.
وتكتسب القضية ثقلاً خاصاً بسبب حجم المشروع. فقد كانت «Emmerson» تراهن على تطوير منجم للبوتاس بمنطقة الخميسات، فيما قدرت، وفق أحدث تصور تطويري معلن للمشروع، صافي الكلفة الرأسمالية المطلوبة بنحو 525 مليون دولار.
وكانت دراسة الجدوى الأصلية للمشروع سنة 2020 قد قدرت الكلفة الرأسمالية قبل بدء الإنتاج بحوالي 387 مليون دولار، قبل أن تتغير التقديرات ضمن التصور التطويري اللاحق.
وفي أحدث تطور إجرائي موثق، رفضت هيئة التحكيم، في 17 يوليوز 2026، طلب المغرب النظر في اعتراضاته المتعلقة باختصاص الهيئة بشكل منفصل وقبل الانتقال إلى جوهر القضية.
وبذلك ستبحث هيئة التحكيم اعتراضات المغرب على الاختصاص بالتوازي مع دراسة موضوع النزاع نفسه.
ولا يعني القرار أن المغرب خسر القضية، كما لا يعني أن الهيئة رفضت دفوعه بشأن الاختصاص، بل يعني فقط أن الرباط لم تنجح في إقناع المحكمين بحسم هذه الاعتراضات في مرحلة مستقلة تسبق النظر في أصل المطالبات.
وهنا تصبح المخاطر المالية للقضية أكثر وضوحاً.
فالمستثمران يطالبان بـ1.215 مليار دولار، وهو مبلغ يتجاوز بأكثر من الضعف صافي الكلفة الرأسمالية المقدرة للمشروع في أحدث تصور تطويري معلن، والبالغة نحو 525 مليون دولار.
لكن خلف الرقم المالي يوجد سؤال أكثر حساسية بالنسبة إلى المغرب: إلى أي حد تستطيع الدولة رفض أو تقييد مشروع استثماري أجنبي لأسباب مرتبطة بالبيئة والموارد الطبيعية، دون أن يتحول القرار لاحقاً إلى نزاع تحكيم دولي بمليارات الدراهم؟
فالخلاف حول مشروع الخميسات ارتبط أساساً بمسار الموافقة البيئية والاجتماعية، وكانت اللجنة الجهوية الموحدة للاستثمار في قلب هذا المسار من خلال توصيتها غير المواتية، التي حالت عملياً دون انتقال المشروع إلى مرحلة التنفيذ والإنتاج.
وفي المقابل، تعتبر الشركتان المدعيتان أن الطريقة التي عومل بها استثمارهما تشكل، ضمن ادعاءاتهما، إخلالاً بالحماية التي توفرها الاتفاقية المغربية البريطانية للاستثمارات.
ويبقى للمغرب حق الدفاع عن قراراته التنظيمية والبيئية، والتمسك باعتراضاته على اختصاص هيئة التحكيم، ومواجهة الأساس القانوني والمالي للمطالبات المقدمة ضده.
القضية لذلك ليست مجرد خلاف بين مستثمر أجنبي والإدارة المغربية، بل اختبار لثلاثة ملفات في وقت واحد: جاذبية الاستثمار الأجنبي، وسيادة الدولة في فرض المعايير البيئية وحماية مواردها، وكلفة اتفاقيات حماية الاستثمار عندما يتحول الخلاف التنظيمي إلى تحكيم دولي.
والمفارقة ثقيلة: مشروع كانت أحدث تقديرات تطويره تتحدث عن كلفة رأسمالية بنحو نصف مليار دولار، أصبح اليوم أساس مطالبة تعويض تتجاوز 1.2 مليار دولار ضد المملكة.
والحسم لم يقع بعد.
لكن السؤال أصبح قائماً: إذا تمسك المغرب بأن قراراته كانت مشروعة ومرتبطة بحماية مصالحه وموارده، فهل سينجح في إقناع هيئة التحكيم بذلك، أم يتحول مشروع بوتاس لم يرَ النور إلى واحدة من أثقل منازعات الاستثمار التي واجهتها المملكة؟
