بقلم: الباز عبدالإله
كشفت مقارنة بين وثيقتين رسميتين أن البيان الثلاثي المتعلق بترقية العلاقات بين المغرب وإسرائيل، المنشور الأربعاء 16 شتنبر 2026، لا يتضمن الإشارات الصريحة إلى القضية الفلسطينية والقدس ورئاسة لجنة القدس التي وردت في إعلان الرباط الموقع في 22 دجنبر 2020، رغم أن البيان الجديد يحيل مباشرة إلى ذلك الإعلان باعتباره الإطار الذي جاء فيه الاجتماع الثلاثي.
ونشرت البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة البيان المشترك عقب اجتماع عقد في نيويورك وجمع وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة، ووزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، والسفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، لبحث مستقبل العلاقات المغربية–الإسرائيلية وتعزيز التعاون الثلاثي.
ويبدأ البيان الجديد نفسه بالتذكير بأن الاجتماع «جاء في إطار الإعلان المشترك بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل الصادر في 22 ديسمبر/كانون الأول 2020»، قبل أن يعيد لاحقاً الإحالة إلى الوثيقة ذاتها عند الحديث عن رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين المغرب وإسرائيل.
غير أن العودة إلى النص الأصلي لإعلان 22 دجنبر 2020 تكشف اختلافاً واضحاً في الصياغة بين الوثيقتين عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية والقدس.
فالصفحة الأولى من إعلان 2020، في نسخته الموقعة والمنشورة رسمياً، تستحضر الاتصال الهاتفي الذي جرى بين الملك محمد السادس والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتتضمن تذكيراً بتأكيد الملك ثبات الموقف المغربي من القضية الفلسطينية.
ولا تقتصر الفقرة على إشارة عامة إلى فلسطين، بل تتناول كذلك أهمية الحفاظ على الوضع الخاص لمدينة القدس بالنسبة إلى الديانات التوحيدية الثلاث، مع الإشارة إلى صفة الملك محمد السادس رئيساً للجنة القدس.
وبذلك كانت القضية الفلسطينية والقدس ولجنة القدس حاضرة داخل الوثيقة المشتركة المؤسسة لمسار استئناف العلاقات، إلى جانب البنود المتعلقة بالعلاقات الدبلوماسية والتعاون بين المغرب وإسرائيل.
أما البيان المشترك الصادر في 16 شتنبر 2026 فلا يعيد ذكر هذه العناصر.
ولا يتضمن النص المنشور ذكراً لفلسطين أو القدس أو غزة أو حل الدولتين أو لجنة القدس.
وفي المقابل، يعيد البيان التأكيد على «روح اتفاقيات إبراهيم»، وعلى أن إقامة علاقات دبلوماسية سلمية وودية كاملة بين المغرب وإسرائيل تصب، بحسب الأطراف الثلاثة، في المصلحة المشتركة للبلدين، كما يتحدث عن تعزيز السلام وفتح آفاق جديدة للمنطقة والتطلع إلى تقوية التعاون الثلاثي على الساحة الدولية.
ولا يتعلق البيان الجديد بوثيقة تقنية أو اقتصادية محضة يمكن تفسير غياب فلسطين عنها باقتصار موضوعها على التعاون الثنائي.
فالوثيقة تناولت ملفات سياسية وإقليمية بصورة صريحة، وخصصت فقرة كاملة للصحراء المغربية، أكدت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل مجدداً اعترافهما بسيادة المغرب على كامل أراضي الصحراء، ودعمهما لمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره، وفق صياغة البيان، الأساس الوحيد لحل عادل ودائم للنزاع.
كما تحدث البيان عن السلام والاستقرار والتكامل الإقليمي، وأدرج «الأمن الإقليمي» ضمن المجالات التي ناقشت الدول الثلاث توسيع التعاون بشأنها.
ويكتسب عدم إعادة ذكر فلسطين والقدس، لذلك، أهمية نصية إضافية، بالنظر إلى أن البيان لم يتجنب الملفات السياسية أو الإقليمية الحساسة، بل تناول بعضها بتفصيل واضح، وفي الوقت نفسه أحال مباشرة إلى إعلان 22 دجنبر 2020 دون أن يعيد الإشارات المتعلقة بفلسطين والقدس ولجنة القدس التي تضمنها النص المؤسس.
ويُبرز البيان كذلك التعاون القائم بين الأطراف في مجالات التكنولوجيا والأمن والابتكار، معتبراً أن هذا التعاون يقدم حلولاً عملية لفائدة شعوب المنطقة.
كما ناقشت الدول، وفق النص الرسمي، تعزيز التعاون في التجارة والتمويل والاستثمار والابتكار والتكنولوجيا والسياحة والمياه والزراعة والأمن الغذائي والتنمية والأمن الإقليمي والطاقة والاتصالات، مع الاتفاق على تكثيف الزيارات رفيعة المستوى خلال الأشهر المقبلة.
ولا يكفي هذا الاختلاف بين النصين، في حد ذاته، لإثبات حدوث تغيير في الموقف الرسمي المغربي من القضية الفلسطينية، كما لا يسمح باعتبار الالتزامات أو المواقف الواردة في إعلان 2020 ملغاة.
فالبيان الجديد لا يتضمن إعلاناً بالتراجع عنها، بل يحيل بنفسه إلى إعلان 2020.
وما يمكن إثباته من خلال المقارنة المباشرة هو أن عناصر سياسية وردت صراحة في الوثيقة الأولى لم يُعَد ذكرها في الوثيقة الجديدة، وليس أن غيابها النصي يعادل قراراً بإلغائها أو التخلي عنها.
وتبرز أهمية هذا التمييز أيضاً لأن المقارنة تجري بين إعلان تأسيسي موقع سنة 2020 وبيان لاحق صادر عن اجتماع سياسي سنة 2026، وليس بين نسختين متعاقبتين من الوثيقة القانونية نفسها.
لذلك، فإن الحديث عن عدم تكرار الفقرة المتعلقة بفلسطين والقدس أدق من القول إنها «حُذفت من الاتفاق»، مثلما لا تسمح الوثيقتان وحدهما بالجزم بأن الأطراف تراجعت عن مضمونها.
وتكشف العودة إلى الوثيقتين كذلك فرقاً مهماً في مستوى التمثيل الدبلوماسي.
فقد نص إعلان 2020 على إقامة علاقات دبلوماسية كاملة وسلمية وودية وإعادة فتح مكتبي الاتصال في الرباط وتل أبيب، دون استخدام لفظ «السفارات» في البند المتعلق بإعادة فتح الممثليات.
أما بيان 16 شتنبر 2026 فيذهب خطوة أبعد، إذ يؤكد اتفاق المشاركين على رفع مستوى البعثات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل إلى «سفارات كاملة» وتبادل السفراء.
وفي المقابل، لا يحدد البيان الجديد تاريخاً لافتتاح السفارتين، ولا يكشف أسماء السفراء الذين سيجري تبادلهم.
أما أجل نهاية سنة 2026 الوارد في الوثيقة، فيرتبط بنقطتين أخريين: اتخاذ التدابير اللازمة لاستئناف الرحلات الجوية المباشرة بين المغرب وإسرائيل، بما فيها رحلات شركات الطيران المغربية والإسرائيلية، ووضع اللمسات الأخيرة على اتفاقيتي حماية الاستثمارات وتجنب الازدواج الضريبي.
وبذلك تضع الوثيقتان أمام القراءة مستويين مختلفين من التطور منذ إعلان دجنبر 2020: انتقال معلن نحو رفع التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء، مقابل اختلاف واضح في الصياغة السياسية المتعلقة بفلسطين والقدس.
الأول ينص عليه بيان 2026 صراحة، والثاني تثبته المقارنة المباشرة بين النصين.
أما أسباب عدم إعادة إدراج الفقرة المتعلقة بفلسطين والقدس ولجنة القدس في البيان الجديد، وما إذا كان ذلك يعكس مجرد اختلاف في طبيعة الوثيقتين أو اختياراً سياسياً في صياغة البيان، فهي مسألة لا تحسمها الوثيقتان وحدهما وتحتاج إلى توضيح من الأطراف المعنية.
