بقلم: الباز عبدالإله
دخلت البحرية الملكية المغربية، الخميس 17 شتنبر 2026، مرحلة جديدة في برنامج تحديث أسطولها البحري، بعدما استكملت شركة «Navantia» الإسبانية رسمياً إجراءات تسليم سفينة الدورية البحرية الجديدة التي صنعتها لفائدة المغرب في حوض سان فرناندو بإقليم قادس، منهية بذلك مساراً بدأ بتوقيع العقد سنة 2021 واستمر نحو خمس سنوات.
التسليم جرى بعيداً عن المراسم الرسمية المعتادة في مثل هذه الصفقات العسكرية، إذ أكدت مصادر من الشركة الإسبانية لوكالة «Europa Press» استكمال إجراءات التسليم الخميس، موضحة أن تنظيم حفل رسمي لم يكن مقرراً، لأن ذلك كان منصوصاً عليه منذ الاتفاق الموقع بين «Navantia» والزبون المغربي سنة 2021.
هذه المعطيات تكتسب أهمية إضافية بسبب تزامن التسليم مع مرحلة سياسية حساسة في العلاقات المغربية الإسبانية، على خلفية أحداث سبتة في نهاية يوليوز الماضي، غير أن المعطى الذي قدمته «Navantia» يفرض الفصل بين السياق السياسي الحالي وبين الترتيبات الأصلية للصفقة، ما دام غياب حفل التسليم، بحسب رواية الشركة التي نقلتها «Europa Press»، يعود إلى الاتفاق الأصلي وليس إلى قرار جديد اتُّخذ خلال الأزمة الحالية.
مصادر إعلامية إسبانية متخصصة قدمت، في المقابل، رواية مختلفة جزئياً، إذ تحدث موقع «Infodefensa» عن تسليم السفينة في إطار خاص ومن دون المراسم الرسمية التي كانت منتظرة، ووضع ذلك في سياق التوتر الدبلوماسي الحالي.
غير أن المصدر نفسه أشار إلى أن موعد التسليم كان مبرمجاً منذ أشهر، بينما تؤكد رواية الشركة المنقولة عن «Europa Press» أن عدم تنظيم حفل للتسليم كان منصوصاً عليه في الاتفاق منذ البداية.
السفينة تحمل اسم «Moulay Hassan I»، وهي مبنية على تصميم «Avante 1800» التابع لـ«Navantia».
ويبلغ طولها 87 متراً وعرضها 13 متراً، فيما تصل إزاحتها عند الحمولة الكاملة، بحسب المعطيات التقنية المنشورة، إلى نحو 2020 طناً.
وتستطيع السفينة استيعاب طاقم يصل إلى 60 فرداً، كما يمكنها بلوغ سرعة تناهز 24 عقدة. وتضم منظومة دفع من نوع CODAD تعتمد على أربعة محركات رئيسية من طراز MAN 175D، إضافة إلى خمس مجموعات توليد كهربائية بحرية من طراز Baudouin 6 M26.3.
المشروع لم يبدأ داخل الورش مباشرة بعد توقيع الاتفاق. فقد انطلقت أعمال البناء في يوليوز 2023، قبل وضع العارضة الرئيسية للسفينة في شتنبر 2024، ثم جرى إنزالها إلى الماء في أواخر ماي 2025 داخل حوض سان فرناندو.
وعلى خلاف التسليم الحالي، عرف حفل إنزال السفينة إلى الماء حضوراً رسمياً.
وشارك فيه ممثلون عن البحرية الملكية المغربية ومسؤولو الشركة الإسبانية، حيث وصف ممثل البحرية الملكية المشروع آنذاك باعتباره تعبيراً عن علاقات التعاون بين المغرب وإسبانيا وعن مسار تحديث القوات المسلحة الملكية لمواجهة التحولات المرتبطة بالأمن البحري.
بعد ذلك دخلت السفينة مرحلة التجارب البحرية خلال ربيع 2026، قبل الوصول إلى محطة التسليم في 17 شتنبر.
أهمية الصفقة لا تتوقف عند السفينة نفسها. فوفق المعطيات التي أوردتها «Navantia»، وفر البرنامج أكثر من مليون ساعة عمل لأحواض بناء السفن والصناعة المساندة في إسبانيا، وساهم في نحو 1100 منصب شغل مباشر وغير مباشر ومستحث على امتداد ثلاث سنوات.
العقد يتضمن كذلك حزمة للدعم التقني واللوجستي تشمل قطع الغيار والأدوات والوثائق التقنية، فضلاً عن خدمات للتكوين التقني لفائدة أفراد من البحرية الملكية المغربية داخل إسبانيا، ما يعني أن العلاقة التعاقدية لا تنتهي بمجرد انتقال السفينة إلى الجانب المغربي.
أما التسليح النهائي للسفينة، فلم تُكشف تفاصيله في المعطيات المنشورة عن عملية التسليم. ويشير «Infodefensa» إلى أن تصميم «Avante 1800» يسمح، بحسب التجهيز المختار، باستيعاب مدفع رئيسي وأنظمة تسليح ثانوية ومنظومات صاروخية، غير أن ذلك لا يعني أن النسخة المغربية تحمل جميع هذه الأنظمة، ما دام التكوين النهائي لتسليحها لم يُعلن رسمياً.
وتتوفر السفينة كذلك على سطح يسمح بتشغيل مروحية، ويمكنها حمل قاربين سريعين من نوع RHIB، وهي تجهيزات توسع نطاق استعمالها في مهام المراقبة البحرية والدوريات والبحث والإنقاذ وحماية المجالات البحرية.
التسليم يحمل أيضاً دلالة صناعية وعسكرية لافتة في العلاقات بين الرباط ومدريد.
فبحسب «Infodefensa»، يتعلق الأمر بأول سفينة عسكرية يبنيها حوض إسباني لفائدة المغرب منذ أكثر من أربعة عقود، بعدما كانت آخر سفينة من هذا النوع هي الكورفيت «Lieutenant Colonel Errahmani»، التي سلمتها شركة «Bazán»، السلف التاريخي لـ«Navantia»، للمغرب سنة 1983.
وباحتساب الفترة بين 1983 و2026، يكون تسليم «Moulay Hassan I» قد أعاد صناعة بناء السفن العسكرية الإسبانية إلى البحرية الملكية المغربية بعد انقطاع دام 43 عاماً.
وتأتي هذه الخطوة في سياق أوسع لتحديث القدرات البحرية المغربية، التي تضم فرقاطة «محمد السادس» من طراز FREMM، وثلاث فرقاطات من فئة SIGMA الهولندية، إلى جانب سفن دورية ووحدات بحرية أخرى.
اللافت، مع ذلك، أن محطة التسليم نفسها مرت بهدوء كامل تقريباً مقارنة بحفل إنزال السفينة إلى الماء سنة 2025. بعد خمس سنوات من توقيع العقد، وأكثر من مليون ساعة عمل، وسفينة عسكرية جديدة بطول 87 متراً، انتهى هذا المسار باستكمال إجراءات التسليم من دون حفل رسمي.
أما تفسير غياب المراسم فيجب أن يبقى مرتبطاً بما هو موثق: «Navantia» تقول إن عدم إقامة حفل للتسليم كان مقرراً منذ اتفاق 2021، بينما وضعت وسائل إعلام إسبانية الحدث في سياق التوتر الحالي.
وبين الروايتين تبقى الحقيقة الأساسية المؤكدة أن البحرية الملكية المغربية تسلمت، في 17 شتنبر 2026، واحدة من أحدث وحداتها البحرية، وأول سفينة عسكرية تبنيها الصناعة الإسبانية للمغرب منذ 43 عاماً.
