بقلم: الباز عبدالإله
قبل يومين فقط من توجه الناخبين المغاربة إلى صناديق الاقتراع في 23 شتنبر، حطت بعثة تقييم دولية تابعة للمعهد الجمهوري الدولي الأمريكي (IRI) رحالها في المغرب، في مهمة اختارت لها المؤسسة مجالاً ميدانياً بالغ الحساسية: العيون–الساقية الحمراء والداخلة–وادي الذهب.
الحدث في ظاهره مهمة تقنية لتقييم الانتخابات، لكن تفاصيله تحمل أكثر من زاوية سياسية لافتة، تبدأ من طبيعة المجال الجغرافي الذي اختاره المعهد، ولا تنتهي عند هوية الشخصية التي تقود البعثة: ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق لشؤون الشرق الأدنى خلال إدارة دونالد ترامب.
وبحسب البلاغ الرسمي للمعهد، الصادر الأحد 20 شتنبر 2026، تمتد المهمة من 20 إلى 25 شتنبر، ويقودها شينكر إلى جانب تامي لونغابرغر، عضو مجلس إدارة المؤسسة، فيما سيلتحق الوفد بمحللين انتخابيين تابعين للمعهد يوجدون في المغرب منذ شهر غشت الماضي.
شينكر ليس اسماً عابراً في هذا السياق. فقد تولى منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى ابتداء من يونيو 2019، وكان لا يزال في موقعه داخل إدارة ترامب عندما أعلنت الولايات المتحدة، في 10 دجنبر 2020، اعترافها بالسيادة المغربية على الصحراء.
واليوم يعود المسؤول الأمريكي السابق إلى الجغرافيا ذاتها، لكن بصفة مختلفة تماماً: لا ممثلاً لوزارة الخارجية ولا موفداً للبيت الأبيض، بل على رأس بعثة انتخابية تابعة لمؤسسة أمريكية غير ربحية وغير حزبية.
وتكمن المفارقة السياسية هنا في أن مسؤولاً كان داخل الإدارة الأمريكية خلال واحد من أبرز التحولات الدبلوماسية المرتبطة بملف الصحراء يعود بعد نحو ست سنوات إلى المنطقة، لكن هذه المرة لمتابعة صناديق الاقتراع والتمثيل السياسي والحكامة الانتخابية.
والأكثر إثارة للانتباه في بلاغ المعهد هو تركيزه الميداني الصريح على الأقاليم الجنوبية.
فالوثيقة لا تعلن انتشار الوفد على مجموع جهات المملكة، بل تؤكد أن المراقبين سينتشرون يوم الاقتراع في العيون–الساقية الحمراء والداخلة–وادي الذهب.
وقبل ذلك، سيعقد أعضاء البعثة اجتماعات مع السلطات المكلفة بالانتخابات، وممثلي الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني وفاعلين من اتجاهات سياسية مختلفة، على أن يجمع التقييم بين ما راكمه محللو المعهد الموجودون في المغرب منذ غشت وما سيرصده المراقبون ميدانياً يوم 23 شتنبر.
هذا التركيز يفتح سؤالاً يتجاوز معرفة من سيفوز بالمقاعد: إلى أي حد انعكست الاستثمارات والتحولات الاقتصادية التي تعرفها المنطقة على المشاركة السياسية والتمثيل والمساءلة؟
وهو سؤال يقترب مما وضعه شينكر نفسه في صلب المهمة، عندما ربط الأقاليم الجنوبية بالاستثمارات المهمة والتحولات السياسية وإصلاحات الحكامة، واعتبر أن الانتخابات ستختبر قدرة المؤسسات السياسية على ترجمة المطالب المتعلقة بالفرص الاقتصادية والمساءلة والمشاركة السياسية إلى تمثيل ديمقراطي ذي مصداقية.
غير أن اختيار العيون والداخلة لا يكفي وحده للقول إن البعثة تحمل موقفاً مسبقاً من الانتخابات أو من النزاع حول الصحراء.
فالبلاغ يقدم المهمة باعتبارها تقييماً انتخابياً، ويؤكد أنها ستجري بصورة غير حزبية ودون تدخل في العملية الانتخابية، وأن خلاصاتها ستستند إلى القوانين المغربية والمعايير الدولية للانتخابات.
وفي هذه النقطة تحديداً، يصبح رسم الخط الفاصل بين «الأمريكي» و«الرسمي» ضرورياً.
فالمعهد الجمهوري الدولي مؤسسة أمريكية غير حكومية وغير حزبية، وبالتالي فإن بعثته لا تمثل البيت الأبيض أو وزارة الخارجية، وما ستصدره من خلاصات لا يمكن تقديمه باعتباره موقفاً رسمياً للحكومة الأمريكية.
لكن هذا الفصل المؤسساتي لا يلغي الرمزية السياسية التي يحملها اسم رئيس البعثة.
فشينكر كان مسؤولاً رفيعاً داخل الخارجية الأمريكية عندما أصدرت إدارة ترامب إعلانها في دجنبر 2020، الذي نص على اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء.
ومن هنا تأتي خصوصية عودته: من مرحلة كان فيها الملف موضوع قرار دبلوماسي أمريكي كبير، إلى مرحلة تصبح فيها المشاركة السياسية والحكامة وصناديق الاقتراع موضوعاً لتقييم بعثة يقودها المسؤول الأمريكي السابق نفسه.
ومع إغلاق صناديق الاقتراع، لن تنتهي المهمة.
فالمعهد أعلن أنه سيصدر بعد انتهاء عمل البعثة بياناً أولياً يتضمن أبرز النتائج، يعقبه تقرير شامل يقدم تقييماً لجودة الانتخابات وطريقة إجرائها، إلى جانب توصيات تتعلق بتعزيز العمليات الانتخابية مستقبلاً.
وهنا تكمن، ربما، القيمة السياسية الأكبر للبعثة.
فالنتائج في العيون والداخلة ستُقرأ داخلياً من خلال نسب المشاركة وعدد المقاعد وأسماء الفائزين، لكنها ستدخل أيضاً في وثيقة صادرة عن مؤسسة أمريكية تقول إنها نظمت أكثر من 270 مهمة دولية لمراقبة الانتخابات منذ تأسيسها سنة 1983.
لذلك، فالقصة ليست أن «واشنطن تراقب انتخابات الصحراء»، لأن ذلك سيكون توصيفاً غير دقيق.
القصة الأدق هي أن صناديق اقتراع العيون والداخلة ستكون يوم 23 شتنبر تحت مجهر مؤسسة أمريكية مستقلة، يقود بعثتها مسؤول سابق كان في موقع رفيع داخل الخارجية الأمريكية خلال المرحلة التي اتخذت فيها إدارة ترامب قرارها سنة 2020.
وبين قرار 2020 واقتراع 2026، تغيرت صفة شينكر، لكن الجغرافيا بقيت في قلب الحدث.
أما الوزن الحقيقي لهذه العودة، فلن يحدده اسم المسؤول الأمريكي السابق وحده، بل ما ستكتبه بعثته بعد إغلاق الصناديق عن المشاركة والتمثيل والحكامة وطريقة إجراء الانتخابات في العيون والداخلة.
