بقلم: الباز عبدالإله
بعد سنة بالضبط من انطلاق احتجاجات «GenZ212»، عادت وكالة الأنباء الإسبانية EFE، اليوم الأحد 27 شتنبر 2026، إلى الرباط لرصد ما بقي من أثر ذلك الحراك داخل جيل وجد نفسه، بعد عام واحد، أمام محطة انتخابية جديدة. وترسم الشهادات التي جمعتها الوكالة صورة تتجاوز مجرد العزوف عن صندوق الاقتراع، إلى شعور لدى شباب التقتهم بأن السياسة لا تزال بعيدة عن انتظاراتهم المرتبطة بالشغل والتعليم والصحة ومستقبلهم داخل المغرب.
المعطى الذي يمنح الروبورتاج ثقله السياسي يأتي مباشرة بعد الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر.
فوكالة EFE تشير إلى أن نسبة الامتناع قاربت 62 في المائة من المسجلين، وتقرأ هذا المستوى بوصفه مؤشراً على اتساع المسافة بين جزء من المجتمع والسياسة.
غير أن الشهادات التي أوردتها الوكالة لا يمكن تعميمها إحصائياً على جميع الشباب المغربي، بقدر ما تقدم صورة نوعية عن الأسباب التي دفعت عدداً ممن قابلتهم إلى عدم التصويت.
وأعادت الوكالة في الوقت نفسه عقارب الساعة إلى 27 شتنبر 2025، تاريخ خروج احتجاجات شبابية رفعت مطالب مرتبطة أساساً بالصحة والتعليم ومحاربة الفساد.
وكانت منظمة «هيومن رايتس ووتش» قد وثقت لاحقاً توقيف نحو 2100 شخص وبدء إجراءات قضائية بحق ما لا يقل عن 1400 شخص، بينهم 330 طفلاً، استناداً إلى معطيات الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فيما كان نحو ألف شخص لا يزالون رهن الاحتجاز في أكتوبر 2025.
وبعد عام، تقول EFE إن ما لا يقل عن 660 شخصاً ما زالوا في السجن على خلفية تلك الأحداث، بأحكام تصل إلى 15 سنة.
ويظل هذا الرقم منسوباً إلى الوكالة، في غياب معطيات قضائية مفصلة ومحينة تسمح بتحديد الوضع الحالي لكل الملفات المرتبطة بتلك الأحداث.
لكن الجزء الأكثر دلالة في الروبورتاج لا يوجد في الأرقام وحدها، بل في كلام شباب قرروا عدم المشاركة في الانتخابات.
طالبة في علم النفس تبلغ 20 عاماً قالت للوكالة إنها لم تصوت لأنها لا تشعر بأن شيئاً يتغير، وطالبت بمزيد من الفرص للشباب وبمساحة تسمح لهم بالتعبير عن أنفسهم والتفكير في مستقبلهم.
وفي شهادة أخرى، قال مهندس يبلغ 23 عاماً إنه يتعلم الألمانية استعداداً للهجرة، رابطاً قراره بالبحث عن فرص مهنية ومستقبل يراه أفضل خارج البلاد.
هذه الشهادات تنقل النقاش من سؤال نسبة المشاركة إلى سؤال أوسع يتعلق بعلاقة الجيل الجديد بالمؤسسات السياسية نفسها.
فطالبتان أخريان تحدثتا لـEFE عن شعورهما بأن التصويت لا يقدم لهما فائدة مباشرة، وطالبتا بتمثيل سياسي أكثر قدرة على فهم التحولات التي يعيشها جيلهما وحاجاته في التعليم والصحة والعمل.
المفارقة أن الروبورتاج لا ينتهي عند الرغبة في المغادرة. فالشابتان اللتان تحدثتا عن البحث عن فرص عمل في الخارج تركتا باباً آخر مفتوحاً عندما قالتا للوكالة: «إذا منحونا مكاناً نساهم فيه هنا، فسنبقى».
وأضافتا أن التغيير يحتاج إلى تمثيل سياسي يفهم هذا الجيل، وأن وجود شخص شاب وواعٍ داخل السياسة يمكن أن يمنحهما سبباً للتصويت مستقبلاً.
وتجعل هذه الشهادات قراءة نسبة الامتناع أكثر تعقيداً، لأن عدم التصويت لا يعني بالضرورة، في جميع الحالات، رفض السياسة من حيث المبدأ.
وما تنقله EFE يشير إلى أن جزءاً من المشكلة، بالنسبة إلى الشباب الذين قابلتهم، يرتبط أيضاً بالعرض السياسي ومدى شعورهم بأن المؤسسات والأحزاب قادرة على تحويل قضاياهم اليومية إلى أولويات ملموسة.
الروبورتاج الإسباني، الصادر بعد أربعة أيام فقط من الانتخابات وفي الذكرى الأولى لانطلاق «GenZ212»، يعيد بذلك ملف الشباب إلى واجهة النقاش السياسي من زاوية مختلفة.
فبين جيل خرج إلى الشارع قبل سنة، وشباب اختاروا هذه المرة عدم الذهاب إلى الصندوق، وشهادات تتحدث صراحة عن التفكير في الهجرة، يعيد الروبورتاج إلى الواجهة سؤال قدرة الأحزاب والمؤسسات على استعادة ثقة جزء من الشباب، بينما تكشف الشهادات التي نقلتها EFE عن استعداد بعضهم للبقاء والمشاركة إذا وجدوا مساحة حقيقية للمساهمة والتمثيل.
