قبل أسابيع قليلة من إسدال الستار على السنة المالية، ظهر في بوابة الصفقات العمومية طلب عروض جديد صادر عن مجلس جهة كلميم وادنون، بقيمة تقارب 2,5 مليون درهم، وموضوعه خدمات الإطعام والاستقبال.
عملية تبدو اعتيادية من حيث الشكل، لكنها تفتح الباب أمام نقاش كبير حول فلسفة تدبير المال العام داخل الجهات، وحول أولويات الصرف خلال الفترات الحساسة من السنة.
الوثائق المتاحة تبيّن أن الصفقة مخصّصة لاستقبال الوفود وتنظيم الأنشطة الرسمية، غير أن الاطلاع على دفتر التحملات يكشف لائحة واسعة من خدمات الضيافة، تمتدّ من “لحوم الجمل المبخر” و“البسطيلة” إلى أصناف الحلويات، وكراء خيام كبيرة، واقتناء هدايا تذكارية ومنتوجات محلية.
تفاصيل بروتوكولية مكلفة، تثير تساؤلاً مشروعاً حول مدى ارتباطها بالأولويات التنموية المباشرة.
مصادر إعلامية أشارت إلى أن النقاش لا يتعلق بالمضمون فقط، بل كذلك بتوقيت إطلاق الصفقة، خاصة وأن بعض الجماعات والجهات اعتادت إطلاق صفقات في نهاية السنة لتصفية الاعتمادات المتبقية. وهي ممارسة تُثير دائماً أسئلة حول تأثيرها على ترشيد النفقات وتوجيه الموارد نحو ما يحتاجه السكان فعلياً.
وبين التفسيرات المتباينة داخل المجلس، يظلّ السؤال الأصلي مطروحاً:
هل يمكن لجهة تواجه تحديات في الصحة والبنيات التحتية والماء وفرص الشغل أن تخصّص 2,5 مليون درهم لبند ضيافة بهذا الحجم؟
في هذا السياق، عبّر المستشار إبراهيم حنانة عن ملاحظاته في هذا الشأن، متسائلاً حول دوافع التسرّع في آخر السنة، ومشيراً إلى أهمية توفّر تقارير تقييمية من الجهات الرقابية المختصة لتوضيح معالم الصرف العمومي.
ملاحظاته تأتي في إطار نقاش عمومي واسع حول ضرورة نشر التقارير الدورية وتعزيز الشفافية داخل المؤسسات المنتخبة.
أما الأغلبية فترى أن العملية قانونية وتتم عبر المساطر المعتادة، لكن ذلك لا يلغي الحاجة إلى تقييم أثر هذه النفقات ومدى انسجامها مع الحاجيات التنموية، لأن احترام الشكل لا يعني دائماً تحقيق النجاعة.
قضية كلميم وادنون تكشف مرة أخرى فجوة حقيقية بين النصوص التي تتحدث عن الحكامة والشفافية، وبين الواقع الذي يُظهر أن بنوداً مثل الضيافة يمكن أن تستهلك مبالغ مهمّة دون أن يكون أثرها واضحاً للمواطنين.
وحين يصبح صرف 2,5 مليون درهم أمراً يسيراً… يصبح سؤال المحاسبة والنجاعة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
