لم يعد البيان الصادر عن المكتب الوطني لـ الجمعية المغربية لحماية المال العام عقب اجتماعها المنعقد في 23 من يناير 2026 مجرد رد فعل جمعوي على حكم قضائي ابتدائي، بل تحوّل إلى وثيقة سياسية وحقوقية ذات حمولة ثقيلة، أعادت طرح سؤال جوهري في النقاش العمومي المغربي: هل تُدار معركة محاربة الفساد بمنطق حماية المبلّغين والفاعلين المدنيين، أم بمنطق تضييق الهامش القانوني كلما اقتربت الأصوات الناقدة من ملفات المال العام؟
فإدانة محمد الغلوسي، رئيس الجمعية، بثلاثة أشهر حبسًا موقوفة التنفيذ وغرامة مالية وتعويض مدني لفائدة برلماني ينتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، لا تُقرأ، في نظر الجمعية، كواقعة قانونية معزولة، بل كحدث ذي أبعاد تتجاوز حدود الملف القضائي، بالنظر إلى طبيعة الطرف المشتكي، وموقعه السياسي، وطبيعة القضايا التي كان الغلوسي يتناولها والمرتبطة بتدبير الشأن العام.
وتؤكد الجمعية في بيانها أن هذا المعطى ينقل القضية من إطارها القضائي الضيق إلى فضاء وطني أوسع، يرتبط بثقة المواطنين في آليات المساءلة، وبمدى انسجام الممارسة القضائية مع الالتزامات الدستورية والدولية للمغرب في مجال محاربة الفساد وحماية حرية التعبير.
وعند تفكيكها للحكم الابتدائي، تسجل الجمعية ما تعتبره إخلالًا بجوهر المحاكمة العادلة، مشيرة إلى أن المحكمة لم تستجب لطلبات جوهرية تقدم بها دفاع رئيسها، تتعلق بإخلالات شكلية وقانونية شابت الشكاية المباشرة، والتي يرى الدفاع أنها كانت تستوجب قانونًا الحكم بعدم قبولها شكلًا.
غير أن المحكمة، حسب البيان، اعتبرت هذه الإخلالات مجرد أخطاء مادية، دون تفعيل مساطر إصلاحها القانونية، وهو ما تعتبره الجمعية مساسًا بضمانات التقاضي المتكافئ وحقوق الدفاع.
كما تسجل الجمعية أن المحكمة لم تستجب لطلب استدعاء الشهود الواردة أسماؤهم في لائحة الدفاع، والأكثر إثارة للانتباه، في نظرها، أنها لم تناقش هذا الطلب ضمن تعليل الحكم، لا بالقبول ولا بالرفض.
وترى الجمعية أن هذا الأسلوب، الذي تصفه بـ“التعليل بالصمت”، يطرح إشكالًا حقيقيًا يتعلق بحق الدفاع وقرينة البراءة، ويؤثر على التوازن المفترض بين أطراف الدعوى داخل محاكمة يُفترض فيها الحياد والإنصاف.
ويبرز البيان أيضًا ما تعتبره الجمعية سرعة غير مبررة في الرد على طلب إيقاف البت في الشكاية المباشرة إلى حين بت غرفة الجنايات المختصة بجرائم الأموال في الوقائع المتقاطعة مع الملف. فحسب الجمعية، فإن جزءًا مهمًا من الوقائع موضوع المتابعة يتقاطع مع وقائع معروضة أمام القضاء المختص، وأن الدفاع أدلى بقرار إحالة ذي حجم كبير، كان يستوجب، في نظرها، التريث والتمحيص لتكوين قناعة قضائية دقيقة، خاصة وأن النقاش لا يتعلق فقط بالتكييف القانوني، بل بمدى صحة الوقائع نفسها.
وتضيف الجمعية أن إدانة رئيسها من أجل بث وتوزيع ادعاءات كاذبة تمت دون مناقشة كافية للوثائق التي أدلى بها الدفاع، ودون الاستماع إلى الشهود، وهو ما يفتح نقاشًا مشروعًا حول كيفية تقدير وسائل الإثبات، وحول مدى تحقيق التوازن بين رواية المشتكي ومعطيات الدفاع.
أما بخصوص إدانة الغلوسي من أجل انتهاك سرية التحقيق، فتعبر الجمعية عن استغرابها لهذا التكييف، مؤكدة أن المشتكي لم يدلِ بما يثبت وجود تحقيق من الأساس، ولم يحدد رقمه أو مراجعه أو اسم قاضي التحقيق. وتشير إلى أن المحكمة استندت في هذا الجانب إلى وثائق أدلى بها دفاع الجمعية، معتبرة أن هذا المعطى يثير نقاشًا قانونيًا حول نطاق تطبيق مقتضيات سرية التحقيق، خاصة حين يتعلق الأمر بفاعل مدني ليس طرفًا في الملف ولا شاهدًا ولا محاميًا لأي من أطرافه.
وتشدد الجمعية على أن المعطيات المتعلقة بتبديد المال العام وبرنامج “مراكش الحاضرة المتجددة” ليست معطيات سرية، بل سبق تداولها في الإعلام والنقاش العمومي قبل أي مسطرة قضائية، وأن الجمعية لم تطّلع على ملف التحقيق ولم يكن لديها علم بوجوده.
وترى أن توسيع مفهوم السرية ليشمل النقاش العمومي حول قضايا الشأن العام يطرح إشكالًا حقيقيًا يمس بحرية الرأي والتعبير والصحافة، ويتعارض مع روح الدستور ومع الالتزامات الدولية للمغرب، خاصة اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
وفي ختام بيانها، لا تحصر الجمعية موقفها في الدفاع عن رئيسها، بل تنتقل إلى عرض مطالب تعتبرها مدخلًا أساسيًا لإعادة التوازن إلى معركة محاربة الفساد، من بينها تجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، وتعزيز الإطار القانوني لحماية المبلّغين عن الفساد، وتعديل منظومة التصريح بالممتلكات، إلى جانب الدعوة إلى إقرار استراتيجية وطنية لاسترجاع الأموال المنهوبة.
كما تدعو الأحزاب السياسية إلى تحمل مسؤولياتها عبر تنقية صفوفها وعدم تزكية الأشخاص الذين تحوم حولهم شبهات فساد.
وبهذا المعنى، يشكل بيان الجمعية المغربية لحماية المال العام محطة مفصلية في نقاش يتجاوز شخصًا أو ملفًا بعينه، ليطرح سؤالًا أعمق حول منطق تدبير الشفافية في المغرب: هل نحن أمام مسار يعزز الثقة ويحمي الانخراط المجتمعي، أم أمام مقاربة تُضيّق هامش النقاش العمومي باسم المساطر؟ سؤال يبقى مطروحًا في انتظار ما ستسفر عنه مراحل التقاضي المقبلة.
