When a Minister Advises the Impossible… Education as a Journey Beyond Reach
أعاد تصريح وزير التربية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، إحياء نقاش قديم يتجدّد كلما خرج مسؤول رفيع بسردية شخصية لا تنسجم مع الواقع الاجتماعي للمغاربة.
فقد قال الوزير، في لقاء بميسور، إنه حين أراد أن يدرس جيداً، أرسله والده إلى “بلاد بعيدة”.
عبارة بسيطة في ظاهرها، لكنها سرعان ما تحولت إلى مرآة عاكسة للتوتر القائم بين وعود الإصلاح ومحدودية أثره على المواطن.
المغربي الذي استمع لهذا الكلام يدرك أن التعليم حق دستوري، لا امتيازاً متاحاً لمن يستطيع السفر أو لمن يملك القدرة على الانفصال عن المدرسة القريبة.
وما جعل التصريح أكثر حساسية هو أنه جاء في سياق يعرف فيه المواطن ضغوط النقل المدرسي، اكتظاظ الأقسام، وغلاء البدائل، مما جعل الدعوة إلى “البحث بعيداً” تبدو كأنها نصيحة خارج سياق الواقع.
ولم يكن هذا النوع من التصريحات جديداً على النقاش العام.
فقبل سنوات قليلة، أثار وزير العدل عبد اللطيف وهبي جدلاً واسعاً حين قال علناً إن ابنه يدرس في كندا “لأن أباه عندو الفلوس”.
العبارة ظلت عالقة في الذاكرة الجماعية لأنها كشفت، دون تجميل، حجم الفاصل بين قدرة المسؤول وقدرة المواطن، وبين ما تستطيع بعض الأسر فعله وما لا يستطيع ملايين المغاربة الاقتراب منه.
وها هو الجدل يعود اليوم بصيغة مختلفة، ولكن بروح واحدة: حين يتحول الحل إلى خيار طبقي، يفقد الخطاب توازنه.
حديث الوزير عن “المدارس الرائدة” لم يساعد كثيراً في تهدئة النقاش، لأن هذه التجربة ما تزال محدودة الانتشار، غير مستقرة البرامج، ولم تصل بعد إلى درجة النضج التي تسمح بتقديمها كخيار عام.
المواطن يعرف أن هذه المدارس لا تغطي سوى جزء ضئيل من الخريطة التعليمية، وأن كتبها تتأخر، وبعض الأسر جرّبتها ثم عادت إلى المدارس التقليدية.
فكيف يمكن أن يُطلب منه أن يتحرك نحو نموذج لم يكتمل بناؤه بعد؟
ثم جاءت دعوته للبحث عن “الأستاذ الجيد” لتعمّق الشعور بالارتباك.
فحين يُكلَّف المواطن بالانتقال بين المناطق بحثاً عن الكفاءة، فإن الرسالة المضمرة هي أن التوزيع غير عادل، وأن المنظومة لم تنجح بعد في ضمان مستوى موحّد من الجودة.
المواطن لا يستطيع أن يدير القطاع بجهده الفردي، ولا أن يقيّم الأساتذة، ولا أن يحدد أين توجد الفرص الأفضل.
هذا دور السياسات، لا دور الأسر.
الوزير كان من حقه أن يستحضر جزءاً من سيرته، لكن تحويل التجربة الخاصة إلى شيفرة ضمنية للإصلاح يطرح إشكالاً عميقاً: هل نحتاج اليوم إلى قصص شخصية تُبرّر المسافة، أم إلى رؤية تعليمية تُقصّر المسافة؟ هل نحتاج إلى نصيحة بالسفر، أم إلى مدرسة تستطيع أن تمنح الطفل حقه دون أن يغادر حيّه؟
الإصلاحات المطروحة من تجديد المناهج، إلى تجربة المدارس الرائدة، إلى دعم التعليم الأولي جميعها تحتاج إلى لغة متماسكة مع جوهر الإصلاح، لا إلى لغة تُعيد فكرة أن الجودة موجودة في “مكان آخر”.
فالتعليم، بطبيعته، ليس رحلة استكشاف، بل مساراً متساوياً يبدأ من المدرسة الأقرب للبيت؛ المدرسة التي يُفترض أن تجسد روح الدستور قبل أي شيء آخر.
وعندما تتكرر تصريحات من قبيل “أرسلني أبي إلى بلاد بعيدة” أو “ولدي يقرأ في كندا لأنه عندي الفلوس”، يتعزز لدى المواطن إحساس بأن الفجوة بين المسؤول والعموم لم تُردم بعد، وأن الإصلاح الذي يُعلن في الخطط لا ينعكس بالدرجة نفسها في الخطاب.
النتيجة هي حالة من التوتر الصامت: الآباء يريدون مدرسة قريبة تضمن التعليم الجيد، بينما تظهر بعض الرسائل الرسمية وكأنها تقول لهم إن الطريق إلى الجودة يبدأ خارج الحي، وربما خارج المدينة.
ويبقى السؤال معلّقاً فوق كل الجدل:
هل سيأتي يوم لا يحتاج فيه أي طفل مغربي إلى أن يسافر أو يبتعد كي يحصل على حقه الدستوري في تعليم جيد؟
وهل يمكن أن تنجح المنظومة حين يصبح الحل في الداخل، لا في “بلاد بعيدة”؟
