تصريحات وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، أثارت نقاشاً أوسع مما أراد لها أن تثيره. فبينما حاول الدفاع عن الخطب الموحدة وتوضيح سوء الفهم المتعلق بوصف “المجرم”، انتهى خطابه إلى فتح باب جديد للأسئلة حول طبيعة السلطة الدينية في المغرب، وحدود النقد المسموح به، ودور المؤسسة العلمية في مجتمع يتغير بسرعة.
التوفيق نفى أن يكون قد وصف المغاربة بـ“المجرمين”، مؤكداً أن المقصود هم “من يكذبون ويزوِّرون”. غير أن التوضيح، رغم أهميته، لم يخفِ حقيقة أن النقاش الرقمي الواسع حول الخطبة الموحدة يعكس شعوراً متزايداً لدى جزء من المواطنين بأن الدولة تعود إلى منطق “الخطاب الواحد”، خصوصاً حين يرتبط الأمر بالمنابر الدينية التي تُعدّ من أكثر الفضاءات تأثيراً في الوعي الجماعي.
ورغم دفاع الوزير عن المجلس العلمي الأعلى واعتباره مؤسسة مستقلة علمياً، فإن خطابه لم يجب عن سؤال جوهري:
هل استقلال العلماء حقيقي أم بروتوكولي؟
فالقول إن أمير المؤمنين “لا يملي ولا يوجّه” يظلّ تصريحاً محترماً لكنه لا يحسم الجدل حول علاقة السلطة السياسية بالمؤسسة الدينية، ولا حول كيفية صياغة الخطب الموحدة، ولا حول هامش الاجتهاد المتاح للأئمة داخل المساجد.
خطاب التوفيق بدا في لحظات كثيرة أقرب إلى إعادة تأكيد “المشروعية التاريخية” للنموذج الديني المغربي أكثر مما هو استجابة للسؤال الشعبي الآني:
لماذا تُفرض خطب موحّدة في سياق يعرف حساسية متزايدة تجاه مركزية الخطاب الديني؟
كما أن تأكيده أن الخروج عن رأي “الأغلبية العلمية” قد يقود إلى الفتنة يكشف عن تصور محافظ للسلطة الدينية؛ تصور يرى الاختلاف مخاطرة، والنقاش تهديداً، والآراء غير الرسمية شذوذاً يجب احتواؤه. هذا الطرح يتناقض مع الاتجاه العالمي الذي يعتبر تنوع الفتاوى والخطابات الدينية علامة حيوية لا مصدر خطر.
أما إعلانه عن “مراحل جديدة للتبليغ الميداني” داخل الدواوير والأحياء، فقد أثار تساؤلات إضافية:
هل الهدف تعزيز القيم الروحية أم توسيع رقابة ناعمة على المجال الاجتماعي؟
خصوصاً وأن توسع دور العلماء في الفضاء اليومي يتم دون نقاش عمومي حول وظيفة المؤسسة الدينية وحدودها في التشريع والسلوك.
الوزير قدّم تصوراً متماسكاً للدين كركيزة أمنية وتنموية، لكنه لم يعالج التوتر الحقيقي بين خطاب الدولة الديني وبين تطلعات جيل جديد نشأ داخل فضاءات رقمية مفتوحة ولا يتلقى مفاهيم التدين بالطريقة ذاتها التي عرفتها الأجيال السابقة.
هنا بالضبط يظهر الفراغ:
كيف يمكن للخطبة الموحدة أن تتفاعل مع مجتمع غير موحّد في أصله؟
وفي ختام كلمته، اعتبر التوفيق أن الاستثمار في الدين “اقتصاد في الصحة والتعليم والسلوك”، وهو طرح يحمل وجاهة نظرية لكنه يظلّ بحاجة إلى دليل واقعي. فالمجتمعات التي نجحت في تقليص كلفة الانحرافات لم تنجح بذلك عبر الخطب وحدها، بل عبر السياسات الاجتماعية، وتوسيع الحريات، والعدالة المجالية، وإصلاح المدرسة، وتحصين القضاء.
المداخلة، في مجموعها، كشفت عن صلابة البنية المركزية للحقل الديني أكثر مما كشفت عن استعداد لمراجعة آليات اشتغاله. وبينما يؤكد الوزير أن المغرب يبني “نموذجاً خاصاً في التدين”، فإن جزءاً من المجتمع يسأل ببساطة:
هل النموذج يصنع للناس، أم يُصنع بالناس؟
سؤال لم يجب عنه التوفيق بعد.
