Lafitit’s Position on Pre-Verdict Disqualification: Reforming or Reshaping Democracy?
يشهد المغرب نقاشاً دستورياً وسياسياً واسعاً عقب المداخلة التي قدّمها وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، اليوم الخميس، أثناء دراسة مشاريع القوانين الانتخابية داخل لجنة الداخلية بمجلس النواب.
وقد مثّلت المادة السادسة من مشروع القانون التنظيمي لمجلس النواب محور هذا الجدل، بعدما تمسّكت الحكومة بصيغتها الجديدة التي تتيح منع الترشح بناءً على أحكام ابتدائية أو استئنافية، دون انتظار حكم نهائي باتّ.
ويقدّم لفتيت هذا التوجّه باعتباره خطوة ضرورية لـ“تخليق الحياة العامة”، لكنه في الوقت نفسه يطرح أسئلة أعمق حول حدود السلطة الانتخابية وطبيعة الديمقراطية الدستورية في المغرب.
ركز لفتيت في مداخلته على انتقاد صريح ومباشر للمجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، معتبراً أن الحزب يطالب في الندوات العمومية بتشديد النزاهة لكنه يقترح داخل البرلمان تعديلات “تسير عملياً في الاتجاه المعاكس”.
ووصف الوزير المادة السادسة بأنها “قلب الإصلاح”، مؤكداً أن أي تعديل يخفّف من نطاقها سيعيد النظام القانوني إلى ما قبل الورش الإصلاحي، بل ذهب إلى القول إن من يرغب في التراجع عنها “يكفيه الإبقاء على القانون القديم”.
يمثّل هذا الطرح تحوّلاً ملحوظاً في فلسفة الإقصاء الانتخابي، إذ تنتقل المقاربة من منطق العقوبات المبنية على أحكام نهائية إلى منطق “الإقصاء الوقائي” المبني على أحكام غير مكتملة المسار القضائي.
ويؤدي هذا الانتقال إلى توسيع دور السلطة الإدارية داخل العملية الانتخابية، لأن الإدانة غير النهائية لا تمثّل نقطة نهاية بل مرحلة وسطى قابلة للطعن والمراجعة.
ويثير ذلك سؤالاً محورياً يتعلق بما إذا كانت الحقوق السياسية، بما فيها حق الترشح، يمكن المساس بها في مرحلة لم يستنفد فيها المتهم جميع درجات التقاضي.
يدافع لفتيت عن هذا التحول باعتباره ضرورياً لحماية صورة البرلمان، مشيراً إلى حالة ضبط مرشح في حالة رشوة انتخابية كمثال يُفترض فيه اتخاذ قرار فوري دون انتظار الأحكام النهائية. ويستند الوزير أيضاً إلى مقارنة مع التجربة الفرنسية، حيث مُنعت مارين لوبان من الترشح بناء على حكم ابتدائي.
غير أن هذا القياس يظل محدوداً، بحكم اختلاف الأنظمة القانونية وبنية المؤسسات القضائية، وطبيعة الملف الذي كانت تنظر فيه المحكمة الفرنسية، والذي يرتبط بتمويل البرلمان الأوروبي وليس بقضايا انتخابية محلية مباشرة.
كما أن الدستور المغربي يضع قرينة البراءة ضمن القواعد الصلبة التي تمنع اتخاذ تدابير تمسّ الجوهر الانتخابي دون يقين قضائي مكتمل.
يحضر البعد السياسي للنقاش بشكل لا يمكن إغفاله، إذ يرى حزب العدالة والتنمية أن التوسّع في الإقصاء على أساس أحكام غير نهائية قد يؤدي إلى إعادة تشكيل المشهد الانتخابي قبل انتخابات 2026، لأن الإدانة في درجاتها الأولى قد تكون نتاجاً لمسارات قضائية طويلة ومعقدة، ولا ينبغي أن تتحول إلى أداة عملية للحدّ من مشاركة فاعلين سياسيين أو حزبيين.
ويعتبر الحزب أن التخليق الحقيقي لا يتحقق عبر توسيع الإقصاء، بل من خلال تقوية المساطر وضمانات النزاهة داخل العملية الانتخابية نفسها.
تشكل إحالة لفتيت المستمرة على المحكمة الدستورية نقطة أخرى ذات دلالة، إذ أكد أن أي قرار صادر عنها سيكون ملزماً للحكومة.
غير أن هذا الترتيب يثير إشكالاً آخر، وهو أن تطبيق المادة بصيغتها الجديدة قد ينتج آثاراً سياسية مباشرة قبل صدور رأي المحكمة، ما يجعل الرقابة الدستورية لاحقة لا سابقة. ويطرح ذلك سؤالاً حول فعالية الرقابة الدستورية وموعد تدخلها في القضايا التي تحمل آثاراً فورية على المشاركة السياسية.
تظهر من هذا المشهد صورة مركّبة لمرحلة سياسية دقيقة يقف فيها المغرب بين نموذجين مختلفين من تنظيم العملية الانتخابية: نموذج يُركّز على التشدد كآلية للحماية الاستباقية، ونموذج يُعطي الأولوية للضمانات الدستورية ولو كلّف ذلك بعض المخاطر العملية.
ويبدو أن مستقبل الإصلاح الانتخابي سيتحدد بناءً على قدرة المشرّع المغربي على الموازنة بين مطلب التخليق، الذي بات ملحاً، ومبدأ الحقوق السياسية، الذي يشكل جوهر العملية الديمقراطية.
تتجاوز رهانات المادة السادسة بعدها القانوني الضيق نحو نقاش بنيوي حول طبيعة الديمقراطية في المغرب، لأن أي توسّع في معايير الإقصاء سيعيد رسم حدود التنافس السياسي لسنوات مقبلة.
وفي سياق يتجه نحو انتخابات 2026، يبرز السؤال المركزي: هل يمثّل الإقصاء قبل صدور الأحكام النهائية إصلاحاً يستجيب لمطلب النزاهة، أم خطوة تعيد تشكيل قواعد اللعبة الديمقراطية من أساسها؟
