Integrity on Paper… Anxiety Backstage: Reading Laftit’s Electoral Message
قدّم وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، خلال اجتماع لجنة الداخلية والجماعات الترابية بمجلس النواب، خطاباً حمل نبرة طمأنة واضحة، لكنه في الوقت نفسه كشف عن حجم القلق الذي يسبق انتخابات 2026.
الوزير اختار منذ البداية وضع النقاش في إطار وطني حين قال إن “المهم هو أن يربح المغرب، وليس من سيربح الانتخابات”، وهي جملة تبدو في ظاهرها أخلاقية ومجردة، لكنها في عمقها تحمل رداً غير مباشر على الشكوك التي تلاحق التعديلات الانتخابية الجديدة.
لفتيت نفى بشكل صارم وجود أي امتياز لحزب معيّن داخل النصوص المعروضة، بل ذهب أبعد من ذلك حين أعلن استعداده لتقديم استقالته إذا ثبت العكس.
مثل هذا التصعيد اللفظي لا يأتي عادة إلا حين تكون الوزارة واعية بأن النقاش السياسي وصل إلى درجة من الحساسية تجعل الطمأنة التقليدية غير كافية.
فالمشهد البرلماني في الأيام الأخيرة لم يكن هادئاً، بل طغى عليه تباين واضح في تأويل التعديلات المتعلقة بالموانع الانتخابية والعزل السياسي وإعادة تعريف شروط الترشح.
النقاش داخل اللجنة لم يُظهر خلافاً تقنياً بقدر ما كشف عن انقسام في الثقة. جزء من النواب ينظر إلى التعديلات باعتبارها خطوة نحو تخليق الحياة السياسية وإبعاد المال المشبوه، بينما يرى آخرون أن هذه الصياغات يمكن أن تُستخدم مستقبلاً لإعادة هندسة الخريطة السياسية قبل 2026.
وهنا جاءت الجملة الأهم في خطاب الوزير، حين قال إن “المشكل الحقيقي هو عدم الثقة”.
هذا الاعتراف، الذي نادراً ما يصدر عن وزير الداخلية، يُعبّر بوضوح عن المزاج العام الذي يطغى على المشهد السياسي: قواعد اللعبة تُكتب، لكن اللاعبين لا يثقون تماماً في الحكم.
في خضم هذا الجدل، دافع لفتيت بقوة عن استمرار إشراف وزارة الداخلية على العملية الانتخابية، معتبراً أن الديمقراطية لا تُقاس بالهيئات المشرفة، وأن هناك دولاً عريقة تتولى فيها الوزارات الداخلية تدبير الانتخابات.
وأعاد التأكيد على أن بعض الهيئات المستقلة لا تملك من الاستقلالية إلا الاسم، وهي رسالة موجّهة إلى الأصوات التي تطالب بتقوية هيئة الإشراف أو إحداث هيئة جديدة.
الوزير بدا هنا وكأنه يريد إغلاق باب النقاش نهائياً: المشكل ليس في “من يشرف”، بل في “كيف نضمن النزاهة”.
وفي محاولة لتثبيت هذا الموقف داخل إطار مؤسساتي أعلى، استشهد لفتيت بما قاله الملك حول ضرورة وقوف الدولة على نفس المسافة من جميع الأحزاب.
هذا الاستشهاد لم يكن عابراً، لأنه يحوّل النقاش من مستوى الشكوك السياسية إلى مستوى الشرعية العليا، ويجعل أي تشكيك في نوايا الوزارة يبدو وكأنه اعتراض غير مباشر على التوجيه العام للدولة.
ورغم أن الخطاب بدا هادئاً في لغته ودقيقاً في صياغاته، إلا أن ما كُشف داخله أهم بكثير مما قيل على السطح. فالإقرار بوجود “دائرة عدم الثقة” يعكس حقيقة أعمق: أن انتخابات 2026 لا تُناقَش اليوم باعتبارها مجرد استحقاق عادي، بل باعتبارها لحظة مفصلية تُعاد فيها صياغة قواعد التوازن السياسي.
وفي هذا السياق، يصبح كل تعديل، وكل جملة، وكل إشارة، قابلة للتأويل، بل وتُقرأ على أنها جزء من خريطة أكبر لا تظهر كاملة بعد.
وهكذا تدخل البلاد المرحلة الانتخابية المقبلة بنبرة مزدوجة: خطاب رسمي يصرّ على الحياد والنزاهة، ومشهد سياسي يزداد توتراً كلما اقترب موعد 2026. وبين سطح يُراد له أن يبدو هادئاً، وعمق يتحرك بكثير من القلق، تبدو المعادلة واضحة: النزاهة مكتوبة على الورق… والثقة تبحث عن مكان تستقر فيه.
