When the Minister Defends the Council… and “Un Petit Mot” Reveals the Behind-the-Scenes Truth
يبدو أن وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد مهدي بنسعيد، قد اختار أن يخوض معركة الدفاع عن المجلس الوطني للصحافة ببلاغة عالية، مقدّماً نموذجاً لخطاب يلمّع صورة المؤسسة أكثر مما يواجه أعطابها.
ففي مداخلته خلال اجتماع لجنة التعليم والشؤون الاجتماعية بمجلس المستشارين صباح أمس الخميس، وأثناء تفاعله مع أسئلة البرلمانيين، استخدم بنسعيد لغة سياسية مصقولة، لكنها بدت بعيدة عن حجم الزلزال الأخلاقي الذي ضرب القطاع الإعلامي بعد تسريب فيديو لجنة الأخلاقيات.
تسريبٌ جعل عبارة صغيرة مثل “Un Petit Mot” تكشف وجهاً آخر للممارسات داخل الغرف المغلقة، وتحوّل نقاشاً مهنياً إلى قضية رأي عام.
الوزير أكد، في ذلك اللقاء، أن الدعوات المطالبة بإعادة النظر في المجلس الوطني للصحافة ليست سوى محاولات لـ“إضعاف المؤسسات” وتهديداً لـ“التطور الديمقراطي”.
غير أن هذا الإطار البلاغي، الذي يبدو في ظاهره دفاعاً عن مؤسسات الدولة، يتجاهل حقيقة أن الأزمة لم يولّدها “عدميون يرون كل شيء أسود”، كما قال، بل فجّرها تسجيلٌ وثّق نبرة فوقية، وعبارات مهينة، وإيحاءات تمسّ استقلال القضاء، في مؤسسة يفترض أنها حارسة لأخلاق المهنة.
اللافت أن بنسعيد، وهو يعلّق على الجدل، لم يتوقف عند الدفاع عن المجلس، بل حاول نقل النقاش من سؤال: “ماذا يجري داخل المجلس؟” إلى سؤال آخر: “لماذا تريدون إضعاف المؤسسات؟”. وكأن المشكلة الأساسية ليست في مضمون ما كشفه التسريب، بل في ردود الأفعال الغاضبة التي تلته.
وهذه محاولة لتغيير زاوية الرؤية: تحويل الأزمة من أزمة أخلاق وممارسة إلى أزمة خطاب ونوايا، رغم أن جوهر النقاش ظل دائماً مرتبطاً بمسألة الحدود الأخلاقية التي ينبغي أن تضبط السلطة التأديبية داخل القطاع.
وحين تحدث الوزير، في الجلسة نفسها، عن “نقاش ساخن وإيجابي” داخل المجلس، بدت عبارته غير منسجمة مع ما سمعه الرأي العام.
فالذي خرج للعلن لم يكن نقاشاً مهنياً أو اختلافاً طبيعياً في وجهات النظر، بل كان حديثاً يقترب من منطق التأديب والهيمنة والاستخفاف، وهو ما دفع أكثر من مئتي صحافي إلى توقيع عرائض تطالب بإصلاح جذري، في خطوة جماعية نادرة تعكس حجم الهوة المتزايدة بين المجلس والجسم المهني.
ومع ذلك، لم يقدّم الوزير خلال مداخلته أي إعلان عن تحقيق داخلي، أو مساءلة، أو خطوات لإعادة بناء الثقة.
لم يتحدث عن مراجعة آليات التأديب، ولا عن تعزيز الشفافية، ولا عن إعادة هيكلة المؤسسة.
اكتفى بترديد أن “دور الوزارة هو تقوية المؤسسة لا إضعافها”، وهي عبارة قوية من الناحية الخطابية، لكنها تفقد وزنها حين يُطرح سؤال بديهي: كيف نقوّي مؤسسة تعيش أزمة شرعية أخلاقية صنعتها ممارسات من داخلها، لا من خارجها؟
في لحظة دقيقة كهذه، اختار بنسعيد أن يضع النقاش داخل ثنائية مُبسّطة: إما دعم المجلس كما هو، أو الوقوع في “فوضى المؤسسات”.
لكن الواقع أعمق وأكثر تعقيداً: الإصلاح ليس هدماً، والمساءلة ليست عدماً، والرقابة المهنية ليست تقويضاً للمؤسسات، بل ضمانة لاستمرارها.
فالمؤسسات لا تُحمى بالشعارات، بل تُحمى حين تملك الشجاعة للاعتراف بأخطائها، وإعادة ترتيب أسسها، ومحاسبة من يسيئون إليها.
وما يحتاجه المشهد الإعلامي المغربي اليوم ليس خطاباً رناناً جديداً، بل إرادة سياسية ومهنية تقف عند تفاصيل ما كشفته لحظة التسريب: تفاصيل تُظهر أن الخلل لا يتعلّق بزلّة لسان أو نقاش داخلي، بل ببنية تحتاج إلى مراجعة حقيقية.
فالأخلاق ليست ترفاً، بل شرط وجود لأي جهاز ينسب لنفسه سلطة التأديب. ومن دونها، تصبح المؤسسة مجرد واجهة بلا مضمون.
لذلك بدا دفاع الوزير، رغم أناقته، أقرب إلى حماية المؤسسة كما هي، لا حماية القيم التي يفترض أن تقوم عليها.
وبين خطاب رسمي يرتفع في قبة البرلمان، وتسريب صغير يعرّي ما يجري خلف الستار، يظل السؤال معلّقاً: أيّهما أقرب إلى الحقيقة… كلمة الوزير أم الكلمة التي أفلتت من داخل اللجنة لتقول ما لم يُقَل علناً؟
