Political Detention Report 2024: The State Confronted with Its Own Reflection
افتتاح سنة 2024 الحقوقية أظهر بوضوح أن المسافة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني أكبر مما يرغب المسؤولون في الاعتراف به.
تقرير الجمعية المغربية لحقوق الإنسان لم يترك مجالاً لتجميل الصورة؛ وثيقة مكثفة تكشف أن المغرب ما يزال يعالج الرأي المختلف بمنطق الضبط، وأن الحديث المتكرر عن “الانفراج” لا ينعكس في الإجراءات التي تُتخذ على الأرض.
لغة التقرير هادئة لكنها قاطعة، لأنها تعتمد الوقائع والأرقام لا الانطباعات، وتضع الدولة أمام مرآة تُعري التناقض بين الإرادة المعلنة والسياسات الممارسة.
الأرقام المُسجّلة خلال سنة واحدة تكفي لوحدها لدحض السرديات الرسمية التي تتحدث عن مسار إصلاحي متدرج. ستة وستون معتقلاً ومتابعاً بسبب الرأي، إضافة إلى عشرات الحالات التي خضعت للاستدعاء أو التحقيق دون الوصول إلى القضاء.
المعطيات تشير بوضوح إلى أن الدولة تُدير الفضاء العمومي بأسلوب مزدوج: خطاب يُطمئن الخارج حول احترام الحريات، وممارسة تُعيد إنتاج نفس أنماط التعامل مع النقد والمعارضة، خصوصاً على مستوى المحتوى الرقمي الذي تحوّل إلى المجال الأكثر استهدافاً.
ملف حراك الريف ظلّ شاهداً بارزاً على طبيعة المقاربة الرسمية. ستة معتقلين يقضون أحكاماً بين عشر سنوات وعشرين سنة داخل سجن طنجة 2، بعد أكثر من سبع سنوات على الاعتقال، دون أي إشارة إلى رغبة رسمية في فتح مسار تصالحي أو مراجعة الملف.
هذا الثبات، وفق التقرير، يعكس اعتبار الدولة للملف جزءاً من توازن سياسي لا ترغب في تغييره، رغم أن الملف نفسه مرتبط بمطالب اجتماعية لا تزال قائمة في المنطقة.
الصورة تتكرر داخل ملف كديم إيزيك. تسعة عشر معتقلاً يقضون أحكاماً ثقيلة، إضافة إلى معتقلين صحراويين آخرين. الملاحظات الأممية حول سير المحاكمات لم تُترجم إلى مراجعات داخلية، ما يجعل الملف مفتوحاً على أسئلة سياسية وقانونية لم تتم الإجابة عنها بعد.
التحليل الحقوقي يرى أن هذه الملفات تُدار بمنطق التحكم المؤسسي، وليس بمنطق العدالة التي تتفاعل مع التحولات الزمنية والسياق الاجتماعي والحقوقي.
الإعلام كان بدوره جزءاً مركزياً من التقرير. رغم العفو الملكي الذي شمل صحافيين بارزين، فإن ما سجّله التقرير يُظهر أن الأزمة أعمق.
العديد من الصحافيين والمدونين يتابعون بسبب مقالات أو تدوينات أو مواقف سياسية، ما يؤشر على أن حرية الصحافة تُمارَس داخل حيز ضيق، وأن سقف النقد تحكمه خطوط حمراء غير مكتوبة.
الوضع يُبرز أن الصحفي المستقل يعمل داخل بيئة معقدة، تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والاقتصادية والإدارية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى صحافة قوية وقادرة على مراقبة السياسات العمومية.
الإدارة العمومية لم تكن خارج دائرة النقد. سلوك منع وصولات الإيداع وعرقلة تجديد مكاتب الجمعيات يظل نقطة سوداء في سجل الحريات.
المعطيات الواردة تُظهر أن التعليمات غير المكتوبة أصبحت بديلاً عن القواعد القانونية، وأن القرار الإداري يُستخدم أحياناً كوسيلة لإعادة هيكلة المشهد الجمعوي وفق اعتبار سياسي لا قانوني.
اتساع هذا المنحى ليشمل جمعيات محلية وتربوية يوضح أن سياسة التضييق ليست ظرفية، بل منظومة تشتغل بصمت وباستمرار.
الدعم العمومي الموجه للإعلام طرح بدوره أكثر من علامة استفهام، غياب الشفافية في توزيع الإعلانات الرسمية، واستفادة منابر بعينها على حساب أخرى، وغياب التدخل في مواجهة حملات التشهير التي تنفذها وسائل ممولة من المال العام؛ كلها مؤشرات تُضعف ثقة المتابعين في استقلالية المؤسسات التنظيمية، وتفتح النقاش من جديد حول الدور الحقيقي للهيئات المعنية بحماية أخلاقيات المهنة.
الفضاء الرقمي عرف، خلال 2024، تشديداً غير مسبوق، أحكام وصلت إلى ثلاث سنوات سجناً في حق مؤثرين شباب بسبب مقاطع ساخرة أو محتوى انتقادي، مع اعتماد تهم عمومية واسعة.
هذا التوجه يعكس، وفق التقرير، انتقال الدولة من ضبط الصحافة المكتوبة والإلكترونية إلى محاولة السيطرة على المحتوى الذي ينتجه الأفراد، وهو محتوى لا يخضع للخطوط الحمراء ولا لمنطق المؤسسات.
السؤال الذي يطرحه التقرير ضمناً: ما حدود الدولة في تنظيم التعبير الرقمي؟ وما هو الحد الفاصل بين حماية النظام العام والتضييق على حرية التعبير؟
الصورة العامة التي يرسمها التقرير تؤكد وجود مفارقة يصعب تجاهلها: سرعة كبيرة في متابعة المواطنين حين ينتقدون السلطة، وصمت شبه تام حين تصدر التجاوزات من وسائل إعلام رسمية أو محمية سياسياً.
هذه الازدواجية تكشف أن القانون لا يُطبق بالصرامة ذاتها على الجميع، وأن موقع الفاعل داخل الخريطة الإعلامية والسياسية يلعب دوراً حاسماً في شكل التعامل معه.
الخلاصة التي يضعها التقرير أمام الدولة مباشرة لا تتعلق بإدانة سياسية بقدر ما تتعلق بتشخيص عميق: المغرب يعيش لحظة انتقال لا تزال غير محسومة، ومجال الحريات يشهد تراجعاً عملياً لا يمكن تغطيته بالخطابات أو البلاغات.
استمرار الاعتقالات والمتابعات، وغياب المراجعة في الملفات الثقيلة، واعتماد الإدارة منطق التعليمات، واستمرار عدم التوازن في الدعم الإعلامي؛ كلها عناصر تُؤثر في مصداقية الحديث الرسمي عن “تعزيز الحقوق والحريات”.
المشهد يفرض سؤالاً مركزياً: هل يتجه المغرب فعلاً نحو نموذج جديد للديمقراطية، أم أن السياسات الحالية تبني نموذجاً يقوم على ضبط المجال العمومي بدل تحريره؟
التقرير لا يقدّم أجوبة نهائية، لكنه يضع إطاراً واضحاً لفهم المرحلة: دولة تُعلن الإصلاح، لكنها تُمارس ضبطاً واسعاً؛ ومواطنون يبحثون عن مساحة كلام، لكنهم يصطدمون بحدود غير واضحة.
المستقبل، كما يشير التقرير، سيعتمد على قدرة الدولة على معالجة هذا التناقض، لأن استمرار الوضع على ما هو عليه يهدد الثقة، ويجعل المسافة بين المواطن والمؤسسة أكثر اتساعاً.
