إذا كان الخطاب السياسي فناً، فإن ما قدمه لحسن السعدي صباح السبت لم يكن فناً بقدر ما كان محاولة لتلوين جدار متشقق بصباغة لامعة.
ضوء كثير… لكن الحائط من الداخل فارغ، هشّ، ويعلّق عليه الحزب كل ما يريد أن يهرب منه. السعدي لم يقدّم خطاباً بقدر ما قدّم مرآة مقلوبة: يرى فيها الحزب نفسه أكبر مما هو، ويرى المواطن فيها أصغر مما يتحمّله الواقع.
منذ اللحظة الأولى، كان واضحاً أن السعدي جاء ليصارع الماضي لا ليشرح الحاضر. “العشر سنوات العجاف” أصبحت مثل الشريط الصوتي الثابت داخل كل لقاء حزبي، تُعاد كل مرة لأن الحاضر لا يمنح ما يكفي من الأدلة. هو أسهل سيناريو: نجلد الماضي كي نُبرّئ الحاضر.
لكن الخطاب الذي يرتاح في مهاجمة الأمس هو خطاب يخاف من سؤال اليوم:
هل الأسعار اليوم أفضل؟ هل الخدمات اليوم أحسن؟ هل المواطن اليوم أقوى؟
التقرير الحقوقي الوطني الوحيد الذي لا مجاملة فيه يجيب بلا تردد: لا.
تقرير الجمعية المغربية لحقوق الإنسان لم يأت من شارع آخر، ولا من معارضة حزبية، ولا من خصوم سياسيين. جاء من قلب المجتمع. من الأحياء التي لا يزورها السياسيون إلا في مواسم الصور.
التقرير يقول إن البطالة 21.3%، وإن “الوضع الاجتماعي يعيش أزمة بنيوية”، وإن الخدمات العمومية تسير نحو “تقويض الحقوق الأساسية”.
هذه كلمات ليست عابرة. هذه شهادة وطنية. ومع ذلك، السعدي لم يذكرها واختار أن يقدّم نسخة وردية عن مغرب لا يراه إلا من يجلس قرب المنصة.
الهجوم على المعارضة كان هو الباب الثاني في خطاب السعدي. قال إن المعارضة “تهاجم الأشخاص” و“توزع الشتائم”.
ولكن هل الشتائم هي التي رفعت أسعار الخضر؟ هل التنابز هو الذي أوقف جهاز السكانير بأكادير؟ هل الألقاب هي التي جعلت الأسر تبحث عن حلّ لأقساط التعليم؟ الأخلاق لا تحل مشاكل السياسة، والتهذيب لا يعوّض غياب السياسات.
الهروب من واقع البلاد إلى أخلاق الخصوم ليس شجاعة… بل اعتراف ضمني بأن الحاضر لا يحتمل المقارنة.
وفي الصحة، قدم السعدي ما يشبه ملصقاً إعلانياً: “التغطية الصحية… الحماية الاجتماعية”.
لكن الواقع يصفع أي لغة ترويجية. تقرير الجمعية يتحدث عن اختناق المستشفيات، نقص الأطر، ضعف الولوج للعلاج.
وأكادير قدّمت المثال الفاضح: مستشفى جديد، بكلفة خيالية، وجهاز سكانير لا يشتغل في لحظة حياة أو موت. فماذا يفعل المواطن بالوعود حين تتوقف الآلة وتنتهي الخيارات؟
وفي التعليم، كانت “مدارس الريادة” آخر صيحات التسويق السياسي، لكن التقرير الحقوقي يضع التعليم في خانة “التدهور العميق”: اكتظاظ، أقسام غير مؤهلة، تفاوت مهول، وحيرة أسرية يومية.
الريادة لا تكون بالشعارات ولا باللافتات، ولا بالفيديوهات التي تُنتج أسرع مما تُصلح الأقسام، الريادة تقاس بنتائج التلاميذ… والنتائج لا تزال صامتة.
أما لحظة “صورة المغرب في الخارج” فكانت اللحظة الذهبية التي انهار فيها الخطاب، لأن من يهاجم النقد الحقوقي بدعوى الوطن مثل الذي يغطي الشمس بالغربال.
لا أحد يشوه صورة المغرب أكثر من الواقع الذي ترصده التقارير الوطنية نفسها، النقد ليس تشويهاً… بل التشويه هو إخفاء ما يجب أن يناقَش.
الوطن ليس الحكومة، والوطن ليس الحزب، والوطن أكبر من أي منصة.
السعدي قال إن الرباط “عاصمة أجمل الملاعب” جميل، لكن الملاعب لا توقف الغلاء، الملاعب لا ترفع الرواتب، الملاعب لا تُعالج المرضى، الملاعب لا تُدرّس الأطفال، الملاعب لا تحمي الفقير، يمكن لأي مدينة في العالم أن تتوفر على ملعب عالمي… لكن ليس كل مدينة تمتلك منظومة صحية عادلة، ولا منظومة تعليمية فعالة، ولا قدرة شرائية مستقرة. الجمال البصري لا يصنع دولة.
وفي ختام خطابه، تحدث السعدي عن “الأخلاق” و“الاحترافية”، ولكن المواطن يقارن بشيء أبسط:
كم كانت القفة؟ كم أصبحت؟
كم كان ثمن السكن؟ كم صار؟
كيف كان المدرس؟ كيف أصبح؟
هذه ليست أسئلة معارضة… هذه أسئلة حياة.
والحياة لا تصفق للخطابات.
الحياة تصفق للنتائج فقط.
لهذا يبقى خطاب السعدي، رغم زخمه وحماسته، مجرد لوحة جميلة معلّقة فوق جدار متشقق.
جدار يُظهر أن الماضي ليس شماعة…
وأن الحاضر، كما تصفه التقارير الوطنية، ليس إنجازاً…
إلا في أعين من يريد أن يراه كذلك.
