لا تبدو قصة عبد العزيز النعماني مجرد سيرة شخص تنقّل بين تنظيمات «الشبيبة الإسلامية» و«حركة المجاهدين المغاربة» وبعض البيئات التي ارتبط اسمها بأجهزة الاستخبارات، كما تورد ذلك عدة مصادر.
فالرجل تحوّل، مع مرور الزمن، إلى علبة سوداء لمرحلة كاملة من تاريخ المغرب السياسي: سنوات الجمر والرصاص، صعود الإسلام السياسي، واستعمال ورقة الدين في سياق مواجهة اليسار والمعارضة.
قراءة مسار النعماني ليست مجرد تتبّع لحياة رجل غامض اختفى في الظل، بل هي أيضاً محاولة لفهم ثلاث طبقات متداخلة:
- كيف وُلدت فكرة «التنظيم المسلح» في النسخة المغربية من الإسلام السياسي؟
- كيف اشتبكت «الشبيبة الإسلامية» مع الدولة تعاوناً وصداماً واختراقاً؟
- وكيف بقي ملف اغتيال عمر بنجلون، رغم كثرة ما كُتب وقيل، مفتوحاً على فراغات وصفها كثيرون بأنها «مقصودة» في الحقيقة القضائية والتاريخية؟
من «تلميذ ناقم» إلى رأس أول تنظيم مسلح
يقدّم التحقيق الأصل ومصادر أخرى خلفية اجتماعية ونفسية عن النعماني: ابنُ حي شعبي في الدار البيضاء، من أسرة متوسطة؛ أب تاجر وأم متفرغة للبيت. تلميذ في ثانوية «الأزهر» المعرّبة، يحمل حسب بعض الشهادات إحساساً حاداً بالدونية أمام زملائه في الثانويات «المفرنسة».
شاب سريع الغضب، حادّ في النقاش، كثير الاحتكاك بأساتذة الفلسفة واليساريين، إلى حدّ وصول الأمر أحياناً إلى عنف جسدي وفق ما تنقله بعض الروايات.
هذه التفاصيل ليست مجرد عناصر هامشية في السرد، بل تُقدَّم كمفتاح لفهم كيف تحوّل ذلك المراهق المأزوم بالهوية واللغة والمكانة إلى مادة أولية مناسبة لمشروع عبد الكريم مطيع:
دعوة تقدّم اليقين العقائدي بديلاً عن الحيرة، وتنظيم خاص سرّي يقدّم العنف «التأديبي» بديلاً عن النقاش السياسي والفكري.
هكذا يربط التحقيق ومجموعة من الدراسات بين ما يُسمّى بـ«عقدة المعرّب» داخل المدرسة العمومية وبين الاستقطاب الإسلامي في ثانوية «الأزهر».
مطيع، بحكم موقعه السابق في وزارة التعليم واشتغاله في الحقل التربوي، استثمر هذه الهشاشة النفسية والاجتماعية حسب هذه القراءات لتحويل تلاميذ غاضبين من موقعهم الرمزي إلى «جنود» في مواجهة أساتذة الفلسفة واليسار، ثم إلى نواة تنظيم خاص قيل إن النعماني كان أحد أبرز وجوهه التنفيذية.
لا يظهر النعماني في بداياته كـ«أمير» أو «قائد ملهم»، بل كشاب عصبي، محدود في مستواه الدراسي إلى درجة أن بعض زملائه كانوا، وفق ما يُروى، يجتازون الامتحان مكانه، لكنه في المقابل يمتلك ما يحتاجه التنظيم السري: الجرأة، قابلية الطاعة المطلقة، والاستعداد لاستعمال العنف دفاعاً عن «الحق» كما يتصوره.
التنظيم الخاص… النسخة المغربية من الجهاز المسلّح
يشير التحقيق إلى أن مطيع استلهم فكرة «التنظيم الخاص» من تجربة الإخوان المسلمين في مصر، كما يوضح ذلك باحثون مثل محمد النايت الفقيه ومحمد ضريف. غير أن السياقين مختلفان جذرياً:
في مصر، نشأ الجهاز الخاص في سياق صراع مع الاحتلال البريطاني وبنية دولة شبه ليبرالية؛
أما في المغرب، فقد تأسس التنظيم الذي نُسب إلى النعماني داخل دولة مركزية قوية أمنياً، وفي ظل سنوات رصاص وصراع حاد مع اليسار.
في النسخة المغربية، لم يتجه «التنظيم الخاص» وفق ما تقوله شهادات متعددة إلى مقاومة استعمار خارجي، بل إلى ما سُمّي آنذاك بـ«تأديب الخصم اليساري» في الداخل، وعلى رأسه عمر بنجلون.
ومع أن «الشبيبة الإسلامية» تنفي باستمرار وجود جناح مسلح، فإن الشهادات والروايات التي يجمعها التحقيق من قادة سابقين، ومن باحثين، ومن وثائق هيئة الإنصاف والمصالحة تجعل من هذا النفي، في نظر كثير من المتابعين، أقرب إلى استراتيجية دفاع جنائي وسياسي منه إلى رواية نهائية.
في هذا البناء، لا يبدو النعماني مجرد منفّذ بسيط؛ بل حلقة أساسية داخل سلسلة القرار:
مطيع يحدد الهدف، ويُقدَّم بنجلون في أدبيات تلك المرحلة باعتباره «أخطر زعماء الاتحاد الاشتراكي»،
الخطاب التكفيري يتكفّل بعملية الشحن،
والتنظيم الخاص، الذي يُنسب إلى النعماني، يحوّل الشحن الكلامي إلى فعل عنيف على الأرض.
حتى بعد اغتيال بنجلون، ظلّ اسم النعماني خارج المتابعة القضائية المباشرة، في حين حوكم المنفذون فقط، وبُرّئ لاحقاً إبراهيم كمال بعد سنوات.
عند هذه النقطة، تبدأ المنطقة الأكثر التباساً في مسار الرجل.
لغز الاختفاء… أين تنتهي مسؤولية الحركة وتبدأ مسؤولية الدولة؟
أهم ما يقدّمه التحقيق، في عمقه، ليس فقط تتبّع تحركات النعماني بين الدار البيضاء ومكناس وسبتة وفرنسا ولبنان، بل الإشارات المتكررة إلى نقطة تماس حساسة بين التنظيم المسلح والجهاز الأمني.
تتراكم أمام القارئ عدة معطيات يوردها التحقيق ومصادر أخرى:
عبد الرحيم بوعبيد يصرّح بأن الملك الحسن الثاني أخبره باعتقال النعماني.
جريدة «المحرر» تنشر، سنة 1977، خبراً عن اعتقاله دون صدور أي تكذيب رسمي في ذلك الوقت.
هيئة الإنصاف والمصالحة تشير في أحد تقاريرها إلى «قرائن قوية على ارتباط النعماني بجهاز أمني»، وتذكر أنه بقي في المغرب مدة غير قصيرة بعد الاغتيال وغادر عبر مطار النواصر.
نسخة أولية من تقرير الهيئة وفق ما نُقل في بعض الدراسات تضمنت فقرة صريحة تتحدث عن «إشارات إلى دور جهاز أمني غير معلن في سياق اغتيال عمر بنجلون وإلى قيام مسؤولية محتملة للدولة»، قبل أن تُستبدل في النسخة النهائية بصيغة أكثر عمومية عن «تدخل الدولة في سير القضاء».
هذه الخطوط، كما تعيد بعض القراءات تركيبها، تجعل من النعماني حلقة وسطى بين مستويين من العنف:
عنف الإيديولوجيا الإسلامية المتشددة، وعنف الدولة حين يُستعمل، أو يُتسامح مع استعمال، ذراع ديني مسلّح في مواجهة خصم سياسي.
التحقيق لا يحسم نهائياً في هذه الفرضية، ولا يدّعي امتلاك كل الأجوبة، لكنه يبيّن أن المحاكمة اقتصرت على الحلقة الأخيرة في سلسلة القرار، أي المنفذين المباشرين، بينما بقيت الحلقة التي تربط بين «قرار القتل» و«الغرف المغلقة» في أجهزة الدولة معلّقة في المنطقة الرمادية، بفعل اختفاء بعض المحاضر، ورفض استدعاء شهود معيّنين، وعدم فتح بعض الوثائق الرسمية أمام الرأي العام.
بهذا المعنى، لا يعود النعماني مجرد متهم هارب كما طُرح أحياناً، بل يتحوّل لو كُشف كل شيء إلى شاهد محتمل لم يُتح له أن يتكلم أمام القضاء.
حرب الروايات… حين يتحوّل المتّهم إلى أداة خطابية
يكشف التحقيق أن صورة النعماني لم تكن يوماً موضوعاً قانونياً فقط، بل أيضاً موضوعاً خطابياً لكل طرف:
الشبيبة الإسلامية وعبد الكريم مطيع ينفيان أي انتماء تنظيمي حقيقي له، ويقدمانه باعتباره «عنصراً مخترقاً» أو «مستعمَلاً من طرف الأجهزة»، في طرح يهدف إلى إبعاد الشبهة عن التنظيم ونفي العلاقة بفكرة العنف.
الدولة وهيئة الإنصاف والمصالحة تعترفان، بحذر، بوجود «قرائن» على علاقة بين النعماني وجهاز أمني، لكنهما تتوقفان عند حدود الحديث عن «اختلالات في التحقيق والمحاكمة»، دون الذهاب إلى حد إعلان مسؤولية مباشرة ومكتملة الأركان.
حركة المجاهدين المغاربة التي تأسست لاحقاً (النكاوي ومن معه) ترفع النعماني إلى مرتبة «القائد الشهيد»، وتتحدّث عن دور مزعوم لاستخبارات مغربية وفرنسية في تصفيته، مقدمة مقتله كامتداد لنمط معين من الاغتيال السياسي يحضر فيه اسم المهدي بنبركة كمرجع مقارنة.
بين هذه الروايات الثلاث، يظهر النعماني كشخص «مطلوب حياً وميتاً» في آن واحد:
مطلوب حياً لأنه، في حال ظهوره، يمكن أن يكشف كثيراً من تفاصيل علاقة الدولة ببعض التنظيمات الجهادية في لبنان وإيران والجزائر؛
ومطلوب ميتاً، في الروايات التي تتحدث عن تصفيته، لأن غيابه يسمح لكل طرف أن يكتب قصته الخاصة دون خوف من تكذيب مباشر.
من أفينيون إلى بليرج… عابرٌ بين الجبهات
لا يكتفي التحقيق بإعادة تركيب اللحظة المغربية، بل يمدّ الخيط إلى شبكة علاقات إقليمية تعتبر خلفية أساسية لفهم مسار الرجل.
بعد انشقاقه عن مطيع، أسّس النعماني «حركة المجاهدين المغاربة» سنة 1978، ونسج حسب روايات متقاطعة علاقات مع فصائل لبنانية، ومع أطراف في إيران، ومع مجموعات جزائرية.
أرسل شباباً مغاربة للتدرب في لبنان، شارك بعضهم في معارك إلى جانب فصائل سنية، ثم عادوا وهم يحملون شعوراً بالخذلان بسبب ما اعتبروه معاملة قاسية أو استغلالاً تنظيمياً.
وفق الرواية الأمنية الرسمية، اغتيل النعماني في أفينيون سنة 1984 على يد صهريه حمزة وخالد الصاوي، انتقاماً لما تعرّضا له في معسكرات التدريب بلبنان.
وفق رواية النكاوي وأتباعه، كانت أجهزة مغربية بالتنسيق مع جهات فرنسية وراء العملية، مستفيدة من «متساقطين» أو عناصر فقدت الثقة حول الشيخ.
أما محمد ضريف، فيقترح احتمالاً ثالثاً: تصفية تشبه، في بنيتها العامة، تصفية المهدي بنبركة، أي مزيج من قرار سياسي مغربي وتواطؤ أو غض طرف فرنسي.
إلى جانب ذلك، يبرز في بعض الشهادات خيط آخر عبر التعرف على عبد القادر بليرج بواسطة علي البوصغيري، وحديث عن تهريب أسلحة ومشاريع لتنفيذ عمليات مسلحة داخل المغرب، وهي معطيات تبقى هي الأخرى في حاجة إلى تدقيق أرشيفي وقضائي كامل.
بهذه العناصر، يظهر النعماني جزءاً من جيل أول من الإسلاميين المغاربة الذين انتقلوا بحسب هذه الروايات من الدعوي إلى الجهادي، ثم إلى شبكات عابرة للحدود، قبل أن تظهر موجات لاحقة بعد أفغانستان والجزائر وصعود ما سُمّي لاحقاً بـ«السلفية الجهادية».
ماذا تقول لنا قصة النعماني عن العدالة والحقيقة في المغرب؟
تضع هذه القصة القارئ أمام خلاصة ثقيلة:
بعد ما يقارب نصف قرن على اغتيال عمر بنجلون، وبعد تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، وبعد تفكيك عشرات الخلايا الجهادية في العقود الأخيرة، وما تزال أسئلة جوهرية بلا جواب واضح ونهائي:
من الذي قرّر فعلاً اغتيال عمر بنجلون؟
هل كان القرار قرار قيادة تنظيم إسلامي متشدد فقط؟ أم قرار جهة أمنية رأت في بنجلون خصماً سياسياً مزعجاً؟ أم نتيجة تداخل رمادي بين الطرفين؟
هل استُخدم النعماني في مرحلة معينة كأداة لتنفيذ جزء من هذه الاستراتيجية، ثم جرى التخلص منه بعد انتهاء دوره؟
لماذا حُذفت الفقرة الأكثر حساسية حول دور الدولة من تقرير هيئة رسمية كان يُفترض أن يكتب للتاريخ أكثر مما يكتب للتوازنات الظرفية؟
وكيف يمكن لمجتمع أن يطوي صفحة الماضي دون أن يعرف، بشكل صريح ومكتمل، من أمر، ومن نفّذ، ومن تستّر، ومن استفاد؟
قصة النعماني، كما يعيد التحقيق تركيبها، لا تمنح براءة كاملة لأي طرف:
لا تبرئ «الشبيبة الإسلامية» من مسؤوليتها الإيديولوجية والتنظيمية في إنتاج مناخ يُكفّر الخصم ويُشرعن العنف ضده؛
ولا تبرئ الدولة من مسؤوليتها، على الأقل على مستوى إدارة ملف الإسلام السياسي في تلك المرحلة بمنطق أمني يقوم على التوظيف والاختراق وتوسيع هامش الحركة ثم تضييقه عند الحاجة؛ ولا تبرئ، في النهاية، جزءاً من اليسار الذي اكتفى لعقود بإدانة «الإسلاميين» ككتلة واحدة، دون إصرار كافٍ على فتح أرشيف الدولة وأجهزتها إلى آخر نقطة.
النعماني كمرآة لمرحلة ترفض النظر إلى نفسها
قد يبدو مغرياً اختزال عبد العزيز النعماني في واحدة من الصور الجاهزة: «القاتل رقم واحد»، «العميل المندس»، أو «الشهيد المغدور». لكن القراءة المتأنية لهذه السيرة، كما تعيدها بعض التحقيقات والكتابات، تبين أن الرجل كان، في جوهره، منتجاً صافياً لزمن سياسي محدد:
زمن دولة تحارب خصومها بكل الأدوات المتاحة، بما فيها الدين، وزمن حركة إسلامية تتغذى على الاحتقان الاجتماعي واللغوي، وتجد في العنف طريقاً مختصراً إلى «النصر»، وزمن يسار يدفع ثمن جرأته، لكنه لا يملك دائماً الأدوات الكاملة لفرض كشف الحقيقة إلى نهايتها.
لهذا، تبقى قصة النعماني بلا صورة شخصية متداولة تقريباً، كأن التاريخ نفسه يرفض أن يمنحه وجهاً واضحاً.
تبقى سيرته موزعة بين محاضر تحقيق ناقصة، ووثائق منقّحة، وبيانات متبادلة بين مطيع وأتباعه، وشهادات سجناء سابقين، وتحليلات باحثين.
أقصى ما يفعله هذا النوع من التحقيقات أنه يقرّب إلينا ملامح تلك العلبة السوداء؛ لكنه لا يملك، ولا يملك غيره، مفتاح فتحها بالكامل.
ذلك المفتاح ما يزال إلى اليوم في يد من يحتفظون بالأرشيف الحقيقي:
أرشيف الأجهزة، أرشيف القرار السياسي، وأرشيف القيادات الإسلامية التي اشتغلت، في لحظة ما، في المنطقة الرمادية بين الدعوة والجهاد، وبين الدولة وخصومها.
إلى أن يُفتح هذا الأرشيف بشكل كامل وشفاف، سيظل اسم عبد العزيز النعماني يتكرر في التحقيقات والكتب أكثر مما يتجسد كشخص واضح الملامح في ذاكرة المغاربة، وسيظل ملف اغتيال عمر بنجلون، ومعه جزء حاسم من تاريخ الإسلام السياسي في المغرب، معلّقاً بين ما نعرفه… وما نعرف أن هناك من لا يريد لنا أن نعرفه.
