أعاد عبد الإله ابن كيران، في لقائه بوجدة، إحياء واحد من أعقد الملفات التي تطفو وتختفي داخل السياسة المغربية: علاقته المتشنجة بوزير الداخلية عبد الوافي لفتيت.
ورغم الطابع الهزلي الذي وظّفه في بعض المقاطع، فإن خطابه حمل نبرة صريحة تقرأ ما بين سطور مرحلة كاملة من التوتر السياسي غير المعلن.
منذ البداية، فتح ابن كيران النار دون مواربة قائلاً إن وزير الداخلية “طلع لأنه دابز مع حزب العدالة والتنمية”.
كانت الجملة أشبه بمفتاح لقراءة خلفية سياسية يعتقد أنها أثرت في مسار الرجل داخل الوزارة.
إنها استعادة لصراع بدأ يتشكل منذ سنوات ما قبل مغادرة ابن كيران لرئاسة الحكومة، حين أخذت العلاقة بين الطرفين منحىً أكثر صرامة.
لكن الشرارة الأكبر كانت عند جملة: “علاش ديتي لينا المقعد ديال مكناس؟”.
هنا لم يعد الأمر مجرد نقد سياسي، بل تصعيد محسوب يلامس ما ظل الحزب يردده منذ انتخابات 2021: أن نتائج بعض الدوائر لم تكن “طبيعية”، وأن مكناس كانت واحدة من أكبر علامات الاستفهام.
الجديد اليوم أن هذا الكلام يخرج إلى العلن من طرف أعلى صوت داخل الحزب سابقاً، وفي لقاء جماهيري لا يحتمل التأويل.
بعد ذلك، توسّع ابن كيران في نقده لطريقة اشتغال المؤسسات، مشيراً إلى أن المواطنين “لم يبقوا يرون الحكومة أو الأحزاب، بل يقصدون الملك مباشرة”.
ظاهر الكلام دفاع، لكن باطنه نقد لاذع للوزارة التي تشرف على الإدارة الترابية والانتخابات، باعتبارها نقطة الالتقاء الأولى بين الدولة والمجتمع، ونقطة التوتر الأولى أيضاً.
ووسط هذا المناخ، عاد ابن كيران إلى قاموسه بعد 2021: “الهندسة”، “المدبرون من وراء حجاب”، “ناس خدامين ضد الحزب”.
ورغم أن الأسماء بقيت خارج الخطاب، فإن الإيحاء كان واضحاً بأن الأمر يتعلق بدائرة النفوذ المحيطة بوزارة الداخلية، تلك التي يعتبرها حزب العدالة والتنمية مسؤولة عن “إعادة ترتيب” المشهد السياسي خلال الانتخابات الماضية.
ومع كل هذا التصعيد، حافظ ابن كيران على الخيط الفاصل بين الصراع السياسي والاصطدام المؤسسي.
انتقد الوزير والوزارة، لكنه رفع منسوب الاحترام تجاه المؤسسة الملكية، مقدماً نفسه كشريك داخل اللعبة وليس كطرف خارجها.
هذا الأسلوب، الذي أتقنه لعقد من الزمن، يسمح له بتحميل الداخلية المسؤولية دون المسّ بالثوابت، وفي الوقت نفسه بإعادة شحن قواعد حزبه.
توقيت هذا الخطاب ليس تفصيلاً. فالحزب يعيش مرحلة إعادة بناء ثقته الداخلية، وهو بحاجة إلى “رواية” تفسر ما وقع في 2021، وتجهّز القواعد لخوض انتخابات 2026 بمنطق “استعادة ما انتُزع”.
وفي الشارع، يتعزز إحساس عام بأن وزارة الداخلية أصبحت اللاعب الأكثر تأثيراً في تشكيل الخريطة السياسية، وأن الأحزاب بما فيها الكبرى تعيش هامشاً أضيق من ذي قبل.
ابن كيران يقرأ هذا المزاج بدقة، ويوظفه لإعادة تشكيل صورته كزعيم يواجه “القوة الخفية” دون أن يدخل في اصطدام مع الدولة.
و يظهر خطاب وجدة كأكثر من مجرد انتقاد سياسي.
إنه إعلان عن بداية جولة جديدة من الصراع الرمزي بين العدالة والتنمية ووزارة الداخلية.
ابن كيران قال كل شيء دون أن ينطق بالمصطلح المركزي: “الهندسة الانتخابية”.
لم يرفع سقف المواجهة مع الدولة، لكنه وضع وزارة الداخلية في قلب سؤال الثقة السياسية.
والرسالة الأعمق كانت واضحة:
معركة 2026 قد تبدأ من مكناس… لكنها لن تنتهي عندها.
