Bouanou Exposes the “Myth of Reform” in the Road Accident Compensation Bill
لم يعد مشروع قانون 70.24 المتعلق بتعويضات حوادث السير ملفاً تقنياً يُناقش في هدوء داخل اللجان.
فجأة، وبفضل النقاش الذي تفجّر في البرلمان، تحوّل النص إلى مرآة عاكسة لطريقة اشتغال منظومة القرار حين تصل إلى المناطق التي تتقاطع فيها السياسة مع المال… وحين يصبح التشريع نفسه محاصَراً بمنطق السوق.
منذ سنوات، تتردد شعارات “الإصلاح” و“التحديث”، لكن أوّل احتكاك مع قطاع التأمينات يكشف مفارقة صارخة: الخطاب يتقدّم، بينما يظلّ أثره متوقفاً عند عتبة قطاع يملك قوة مالية ممتدة منذ 1984.
في اللحظة التي دخل فيها الملف إلى الجلسة، ظهر ما كان يُقال همساً: ميزان القوة لا يميل بالضرورة حيث توجد الحاجة الاجتماعية، بل حيث تتراكم المصالح الأكثر وزناً ونفوذاً.
مداخلة عبد الله بوانو لم تكن مجرد تعقيب.
كانت لحظة صدام مع واقع يعرفه الجميع ويتجنّب الكثيرون لفظه علناً.
قالها بوضوح: البرلمان يتحرك داخل هامش ضيق، أمام نصوص تأتي أحياناً مثقلة بوزن اقتصادي لا تُفصح عنه مضامينها. لذلك لم يكن غريباً أن تهزّ الجملة: “لا يمكن للبرلمان أن يتحوّل إلى مرتع للوبيات” القاعة، لأنها وجّهت الضوء نحو سؤال ظل معلقاً: من يوجّه مسار التشريع فعلاً؟
الملف نفسه ليس جديداً. كان جاهزاً منذ 2011، ثم تأجّل، ثم عاد، ثم توقّف، ثم عاد مرة أخرى. هذا التقطّع ليس حادثاً تنظيمياً، بل جزء من منطق يُرحّل الإصلاحات الثقيلة إلى لحظات بعينها، حين تكون الكلفة السياسية أقل والضغط أقل حدّة.
لذلك لم يكن فتح الملف اليوم مصادفة، بل نتيجة توازنات نضجت تدريجياً إلى أن سمحت للملف بالخروج من الانتظار.
ما كشفته مداخلة بوانو بحدة أكبر هو الخيط غير المرئي الذي يتحرك خلف النصوص.
فحين تحدّث عن مصالح بعض الفاعلين وقدرتها على التأثير في التشريع أو في التصويت، كان يفتح الباب على واقع يعرفه كل من مرّ من المؤسسة التشريعية: شبكة مصالح اقتصادية تتحرك بصمت، وتترك أثرها في المضامين قبل أن تصل إلى يد النواب.
أما تذكيره بالأرباح الضخمة التي راكمها القطاع منذ 1984 فكان تأكيداً على أن منظومة كاملة بقيت جامدة أربعة عقود، دون مراجعة جذرية تعيد ترتيب القوة بين المواطن والقطاع.
أخطر ما في الخطاب هو استعمال كلمة “التوازن” كذريعة جاهزة. هذا المفهوم الذي يُستخدم لتبرير الخيارات، تحول إلى ستار لغوي يخفي قاعدة ثابتة: الأولوية تُمنح دائماً للقطاع الأقوى، بينما تُترك الفئات الهشة في آخر السطر. وحين تُستعمل جملة “عدم إرباك القطاع”، فإن المعنى واضح: الإصلاح يجب أن يبقى محدوداً، محسوباً، ومصاغاً بطريقة لا تزعج البنى الاقتصادية الراسخة.
حتى المثل الذي استحضره بوانو “زيادة الشحمة فظهر المعلوف” لم يكن مجرد استعارة شعبية، بل توصيف مكثف لوضعية يشعر بها جزء واسع من المتابعين: القطاعات الأقوى تتلقى امتيازات إضافية، بينما تضيق مساحة العدالة بالنسبة للذين يُفترض أنهم محور الحماية.
وفي النقطة الأكثر حدة، حين طالب بوانو بتشريع يحمي المبلّغين عن الفساد، كان يُسائل جوهر المنظومة: كيف يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي بينما الأشخاص الذين يكشفون الفساد ما زالوا بلا حماية؟ وكيف يمكن الحديث عن مكافحة تضارب المصالح بينما الملفات الأكثر حساسية تمرّ عبر مسارات تهيمن عليها اعتبارات اقتصادية أكثر من اعتبارات اجتماعية؟
الخلاصة التي تكشفها هذه اللحظة تتجاوز بكثير مضمون مشروع القانون.
فالمسألة لم تعد مرتبطة بتعديلات تقنية، بل بنموذج كامل في صناعة القوانين: نموذج يجعل اللوبيات تتحرك بثقل أكبر مما يظهر، ويضيّق الهامش المتاح للمشرّع كلما اقترب النقاش من ملفات تمس مصالح راسخة.
وبين هذه الطبقات المتداخلة، يبقى المواطن الحلقة الأضعف، حتى لو تغيّرت النصوص وتبدّلت الوجوه.
المعركة اليوم لم تعد حول مضمون مشروع قانون 70.24 فقط، بل حول سؤال أكبر وأعمق:
هل يمكن للمسار التشريعي أن يستعيد استقلاليته، وأن يعيد ترتيب ميزان القوة بما يجعل المجتمع السوق هو نقطة الارتكاز؟
ذلك هو التحدي الحقيقي الذي فجّرته مداخلة بوانو… وذلك هو النقاش الذي لن ينتهي بعد التصويت.
