The Proximity Caravan: Development Initiative or a Government-Branded Pre-Election Campaign?
من يقرأ البلاغات الرسمية حول “قافلة القرب” يخال أنه أمام مشروع وطني ضخم يعيد الثقة للدواوير ويعالج سنوات من الإهمال.
لكن من يتابع المشهد السياسي المغربي يدرك سريعاً أن الأمر أكبر من مجرد قافلة، وأصغر بكثير من أن يشكل سياسة عمومية حقيقية.
فالتنمية الجادة لا تُستخرج من حقيبة وزارية حين تقترب الانتخابات، ولا تتحول بين ليلة وضحاها إلى برنامج ميداني مكثف بعد سنوات من الجمود.
الحركة السريعة لوزارة التعمير في هذا التوقيت ليست حدثاً معزولاً. هي جزء من إيقاع مألوف في السياسة المغربية: كلما اقتربت البلاد من “المنطقة الرمادية” التي تسبق الاستحقاقات، تبدأ القطاعات الحكومية في النزول الميداني، وتتكاثر المبادرات التي تتغذى على رمزية الحضور أكثر مما تتغذى على العمل البنيوي.
العالم القروي، الذي لا تتذكره الدولة إلا متأخرة، يعود مرة أخرى في صورة “رصيد انتخابي”، لا في صورة مجال يستحق خطة استراتيجية حقيقية.
ليس من قبيل الصدفة أن تنطلق القافلة سنة واحدة قبل انتخابات 2026.
وليس من قبيل الصدفة أيضاً أن تترافق مع صور وزيارات وتصريحات عاطفية توحي بأن السلطة العمومية “قريبة من المواطنين”.
فالقرب الحقيقي لا يصنعه حضور يومي أمام الكاميرات، ولا يقاس بعدد الخيام والدوواير التي تستقبل المسؤولين، بل يُقاس بمدى التزام الدولة بوعودها على مدى سنوات، لا على مدى أشهر قليلة تسبق صناديق الاقتراع.
وتأتي زيارة الدواوير المتضررة من زلزال الحوز لتمنح المشهد بعداً آخر؛ فبدل التركيز على تقييم ما تحقق فعلاً بعد عام كامل من الوعود، يصبح هدف الزيارة إعادة تأطير ذاكرة السكان وإقناع الرأي العام بأن الورش يسير بوتيرة عالية.
غير أن الواقع على الأرض مختلف تماماً: مناطق كثيرة ما تزال تنتظر إعادة بناء منازلها، وتنتظر قبل ذلك كشفاً دقيقاً عن أسباب التأخر، ومسار الأموال، والمسؤوليات.
وما لم يتحقق في سنة من العمل، لا يمكن أن يتحقق في جولة ميدانية مضبوطة الإخراج والتصوير.
المشكلة الكبرى هنا ليست في محتوى القافلة، بل في وظيفتها السياسية.
فهي تمنح للسلطة التنفيذية قدرة على الظهور المكثف وسط الساكنة، خارج أي توازن عادل بين الفاعلين السياسيين.
وهذا وحده يطرح سؤالاً مزعجاً: هل نحن أمام تنمية حقيقية، أم أمام تحضير ناعم لمرحلة انتخابية تُستعمل فيها الدولة، مرة أخرى، كوسيط انتخابي غير معلن؟
قد يستفيد بعض المواطنين من خدمات القافلة، لكن الصورة العامة تظل أكثر عمقاً من أي خدمة ظرفية.
ما نراه اليوم هو إعادة إنتاج لنفس النموذج الذي خبرته البلاد طويلاً: نموذج يجعل القرى مسرحاً لخطابات موسمية، ويجعل التنمية حدثاً طارئاً يظهر حين تكون السياسة في حاجة إليه أكثر مما يكون المواطن في حاجة إلى الدولة.
ومادام العالم القروي لا يظهر في أجندة الحكومة إلا عندما تحتاج الواجهة الرسمية إلى إعادة التلميع، فسيظل الزمن السياسي متقدماً على الزمن التنموي… وسيظل المواطنون، كما هو معتاد، آخر من يُستشار وأول من يُستعمل.
