Baitas and the “Spectacle Makers”: An Escapist Narrative or a Misreading of Reality?
لم يكن خطاب مصطفى بايتاس في الراشيدية مجرد محطة حزبية عابرة، بل بدا وكأنه جلسة لتصفية الحسابات الرمزية قبل تقديم الحصيلة الرقمية.
فالرجل افتتح هجومه من أعلى السلّم الخطابي حين قال إن من رفع شعار “عفا الله عما سلف” لا يحق له اليوم أن يقدم دروساً في محاربة الفساد.
جملة مشحونة سياسياً، محسوبة لغوياً، ومرسلة إلى عنوان مفهوم حتى وإن لم يُذكر بالاسم.
لكن المدهش أن بايتاس، وهو يهاجم “صُنّاع الفرجة”، لم ينتبه أن الفرجة الحقيقية تُعرض يومياً في السوق، لا في السياسة.
يكفي أن ننظر إلى تلك الكبدة التي يدخل ثمن استيرادها حدود ثلاثة دراهم لتصل إلى المستهلك بـ170 درهماً، حتى نفهم أن المشهد لا يحتاج لكاتب سيناريو… فهو يكتب نفسه بنفسه، وبإخراج واقعي لا ينافسه أي خطاب رسمي مهما ارتفع صوت الميكروفون.
ألقى بايتاس أرقاماً لامعة كأنها أحجار كريمة:
ميزانية الصحة من 14 إلى 42 مليار، مقاعد الطب تضاعفت، كليات الطب صارت 11، عدد الأطباء الاختصاصيين ارتفع من 197 إلى 1204، والموارد البشرية بلغت 59 ألفاً.
كل شيء في الخطاب يتحرك إلى الأعلى، كما لو أننا أمام تصوير ثلاثي الأبعاد لنهضة صحية مكتملة.
لكن السخرية تكمن في أن الأرقام، مهما ارتفعت، لا تملك صلاحية دخول غرف الانتظار.
فالمستشفيات، كما يعرف الجميع، لا تعمل بالأرقام بل بالأطقم.
والأسعار، كما يلاحظ الجميع، لا تتأثر بالخطابات بل بقوانين السوق.
ولهذا تبدو المفارقة جلية: الحكومة ترفع الأرقام… والسوق يرفع الأسعار.
وما دامت الكبدة تقفز ستةً وخمسين مرة في ثمنها، فإن كل رقم حكومي يحتاج إلى “هوامش تفسير” قبل أن يكون قابلاً للتصديق.
أما المقارنة بين 2015 و2025 التي قدمها بايتاس، فهي مقارنة مريحة سياسياً، لكنها بعيدة عن القراءة الحقيقية للسياق.
فالحاجيات تغيّرت، والضغط تضاعف، والهجرة الطبية بلغت مستويات غير مسبوقة.
فما جدوى مضاعفة المقاعد البيداغوجية إذا لم تتضاعف القدرة على الاحتفاظ بالأطباء؟
وما فائدة فتح 11 كلية طب إذا كانت مجموعة من المستشفيات ما زالت تعمل بأدنى الشروط؟
ثم جاءت جملة بايتاس الأكثر إفصاحاً:
“مشكلتنا أننا لا نتحدث عن هذه الأمور وسط المواطنين.”
وهي جملة تختصر المسافة بين الخطاب والواقع: الحكومة تتحدث بلغة الأرقام، بينما المجتمع يتحدث بلغة التجربة اليومية.
فالمواطن لا يقرأ الميزانيات… بل يقرأ الأسعار، ولا يتابع عدد الكليات… بل يتابع جدوى الموعد الطبي وقدرته على تحمل تكلفته.
من خارج المغرب يبدو المشهد أكثر انتظاماً في دلالاته: خطاب رسمي يبني شرعيته على صعود الأرقام، وسوق يبني منطقه على صعود الأسعار، وفجوة تتسع بين الاثنين.
الحكومة تعِد بأن “التاريخ سينصفها”، والسوق يقدم حكمه الفوري كل صباح.
وبين هذا وذاك، يظل الغائب الأكبر هو المواطن الذي خُصص له مقعد في النصوص، لكنه لم يجد بعد موقعاً في أولويات التنفيذ.
وهكذا، حين نضع خطاب بايتاس أمام اقتصاد السوق، تتضح مفارقة يصعب تجاهلها:
هل نحن أمام إصلاح مُنجَز فعلاً… أم أمام إصلاح يتجه بخطى ثابتة نحو المنصات فقط؟
وهل يكفي القول إن “عفا الله عما سلف” لا يحق له إعطاء الدروس… بينما السوق يقدم درساً يومياً في ما هو أهم: شرعية السياسات تُقاس بما يعيشه الناس، لا بما يُقال أمامهم.
