لم يكن لقاء رئيس الحكومة مع شبكة الأساتذة الجامعيين مجرد محطة تواصلية عادية داخل حزب التجمع الوطني للأحرار.
كان المشهد أقرب إلى عملية تعبئة هادئة تُصنع داخل الجامعة، حيث استدعى أخنوش “جيش الأساتذة” ليحملوا الحصيلة الحكومية ويقدّموها للرأي العام بوجوه أكاديمية أكثر قبولاً.
وفي خطوة تُقرأ سياسياً أكثر مما تُقرأ حكومياً، بدا واضحاً أن السلطة التنفيذية تبحث عن مصداقية لم تعد الأرقام وحدها قادرة على توفيرها، فاختارت أن تُعوّض هذا النقص بخطاب حزبي بصيغة حكومية، يُعاد توزيعه عبر منصة لا تزال تحتفظ بقدر من الثقة داخل المجتمع: الجامعة.
بهذه الحركة، يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام تقييم حكومي فعلي، أم أمام بداية حملة انتخابية ناعمة تُصاغ داخل المدرجات قبل القاعات السياسية؟
قدّم رئيس الحكومة أرقاماً تبدو في ظاهرها لامعة: رفع ميزانية التعليم العالي إلى 17.3 مليار درهم سنة 2025، وزيادة تفوق 5 في المائة سنة 2026، ثم توسيع عدد المناصب المالية من 700 إلى 1760 منصباً.
أرقام صحيحة من الناحية التقنية، لكنها لا تجيب عن الأسئلة البنيوية التي تواجه الجامعة المغربية.
فارتفاع الميزانية لا يعني بالضرورة ارتفاع الجودة، ولا يحلّ أزمة الاكتظاظ، ولا يعالج الخصاص المتزايد في الأطر، ولا يوقف نزيف هجرة الباحثين.
وبينما تتباهى الحكومة بالأرقام، تستمر الجامعة في التراجع داخل التصنيفات الدولية، ما يكشف الهوة بين الخطاب السياسي والواقع المؤسساتي.
وفي ما يتعلق بالأمازيغية، أعلن أخنوش تضاعف عدد الأساتذة المكلفين بتدريسها من 200 إلى 1000.
خطوة مهمّة في حد ذاتها، لكنها لا تعكس الصورة الكاملة: فالتدريس ما يزال جزئياً، غير معمّم، ويفتقد إلى رؤية بيداغوجية متماسكة.
بمعنى آخر، الرقم يبدو جذاباً، لكن أثره الحقيقي في المدرسة والجامعة ما يزال محدوداً.
أما في الجانب المالي، فقدّم رئيس الحكومة خطاباً يوحي باستعادة السيطرة الكاملة على المؤشرات الكبرى: خفض العجز، تقليص المديونية، وإنزال التضخم إلى مستويات دنيا.
لكن ما لم يذكره هو أن هذه التحسينات ليست كلها من صنع الحكومة، بل ساهمت فيها عوامل دولية صرفة: انخفاض أسعار الطاقة، ارتفاع تحويلات الجالية، الانتعاش السياحي، وتدخلات بنك المغرب المستقلة.
بمعنى آخر، الحكومة استفادت من ظرفية مواتية، لكنها قدّمتها كما لو أنها نتيجة “وصفة حكومية” خالصة.
وفي الجانب الاجتماعي، قدّم أخنوش رقم 4 ملايين أسرة مستفيدة من الدعم المباشر و11 مليون تلميذ.
وهذا صحيح رقمياً، لكنه يعكس أيضاً فشل السياسات في ضبط الأسعار، لأن الدعم لم يأتِ كتطوير للنموذج الاجتماعي، بل كتعويض عن موجة غلاء مستمرة.
فالدولة تدفع للمواطن ليقاوم الأسعار… بدل أن تُخفض الأسعار نفسها. والمفارقة الأكبر أن الحكومة تتباهى بالدعم وكأنه إنجاز، وليس تدبيراً ظرفياً لامتصاص الضغط.
وهنا يظهر أخطر ما في الخطاب: استدعاء الأساتذة الجامعيين لحمل رسالة الحصيلة.
فهذه الخطوة تكشف عن تحول عميق في منهجية إنتاج الشرعية السياسية.
فالحكومة، بدلاً من أن تعالج أزمة الثقة التي تعصف بتواصلها المؤسساتي، اختارت أن تستعير من الجامعة ما لم تعد تمتلكه: سلطة المعنى ورأس المال الرمزي.
بهذه الحركة، تصبح المعرفة الأكاديمية المفترض فيها الاستقلال جزءاً من استراتيجية تواصل حزبي بواجهة حكومية، في عملية إعادة تدوير للخطاب أكثر مما هي تقييم للسياسات العمومية.
إن لجوء السلطة التنفيذية إلى هذا “الضوء الأكاديمي” يعكس وعياً ضمنياً بأن الأرقام لم تعد تحمل قوتها الإقناعية، وأن الحصيلة تحتاج إلى وسيط قادر على تجسير الهوة بين الواقع والرواية الرسمية.
إن اجتماع أخنوش مع شبكة الأساتذة ليس حدثاً تنظيمياً عادياً، بل خطوة محسوبة ضمن سياق أوسع: اقتراب انتخابات 2026، الحاجة لإعادة بناء رواية سياسية أكثر قبولاً، ومحاولة إنتاج شرعية جديدة تُكتب ببصمة أكاديمية.
وهكذا تتحوّل الجامعة، من فضاء نقدي مستقل، إلى ساحة إضافية لإعادة إنتاج الخطاب السياسي تحت قبّة العلم لا تحت قبّة البرلمان.
لم يكن ما وقع مجرد عرض لحصيلة حكومية، بل كان لحظة اختبار لمرحلة سياسية جديدة: مرحلة تُستعار فيها المصداقية حين تفشل السياسة في إنتاجها، وتُستعمل فيها الجامعة كجسر ناعم لإعادة تلميع خطاب لم يعد خطابه الرسمي كافياً لتمريره.
