لم يكن خطاب عبد الإله ابن كيران خلال اللقاء التواصلي لحزب العدالة والتنمية بجهة مراكش آسفي مجرد نقد لحكومة أخنوش، بل بدا موجهاً نحو جهة واحدة بالأساس: وزارة الداخلية.
ولأول مرة منذ سنوات، يخرج زعيم سياسي كبير ليضع الوزير المشرف على النظام الانتخابي في قلب النقاش العمومي، متجاوزاً لغة الحذر التقليدية، ومقترباً من منطقة سياسية يندر الاقتراب منها.
منذ اللحظات الأولى من كلمته، عاد ابن كيران إلى ما اعتبره “تدبيراً ملتبساً” لانتخابات 2021. قال بوضوح لافت:
«الدولة وجّهت ضربات… درتي درتي… وما خليّتي حتى فرنك من الحساب.»
جملة ثقيلة حملت أكثر من إشارة، وتركت المؤسسة المشرفة على الانتخابات في دائرة الضوء من جديد.
ثم انتقل إلى النقطة الأكثر حساسية، حين خاطب وزير الداخلية مباشرة:
«نحمّلك المسؤولية أمام الله، ثم أمام جلالة الملك، ثم أمام الشعب، أن تحرص على أن تكون الانتخابات المقبلة نزيهة.»
بهذه العبارة، حوّل ابن كيران النقاش من تنافس حزبي إلى سؤال يمسّ جوهر الدولة:
هل تضمن وزارة الداخلية أن ما سيقع داخل الصناديق سيعكس فعلاً إرادة المغاربة؟
وفي فقرة أخرى، شدد على أن إصلاح العملية الانتخابية يبدأ من أعلى الهرم، قائلاً:
«إلا وزارة الداخلية قرّرت الاستقامة… غيستقامو المغاربة 90%.»
جملة تختصر رؤية واضحة:
الثقة السياسية تبدأ من “دار المخزن”، فإذا استقامت الإدارة المركزية، استقام المشهد كله.
أما ملف المال الانتخابي، فقد كان محورياً في خطابه، قال بنبرة صارمة:
«التصويت بالمال حرام… واللي خدّى الفلوس وصوّت ما يجيش يهضر معانا.»
لكن المعنى الأعمق كان موجهاً نحو الوزارة التي تملك وحدها القدرة على ضبط المال السياسي ومنع تحوّل الحملات الانتخابية إلى سباق مالي غير متكافئ.
استحضار احتجاجات جيل Z داخل نفس الخطاب لم يكن عابراً.
فعندما قال ابن كيران إن البلاد كانت قريبة من “لحظة حساسة”، كان يلمّح إلى أن فقدان الثقة في المؤسسات المنتخبة لم يعد تفصيلاً صغيراً، بل أصبح عامل خطر اجتماعي قد يضع الدولة أمام جيل غاضب لا يعترف إلا بلغة الشارع.
لم يكن خطاب ابن كيران صدامياً بقدر ما كان كشفاً صريحاً لمن يتحمل كلفة الثقة في المغرب.
لقد وضع وزير الداخلية أمام سؤال مباشر لا يحتمل التأجيل:
هل ستكون انتخابات 2026 لحظة استعادة للثقة… أم مجرد إعادة إنتاج للمشهد نفسه بوجوه جديدة؟
