A Rights Organization Sounds the Alarm… Public Funds Slip Into a Zone of Legislative Ambiguity
دخل قانون المسطرة الجنائية حيّز التنفيذ اليوم 8 دجنبر، محمّلاً بوعود رسمية تتحدث عن “تحديث العدالة” و“تعزيز الضمانات”.
غير أن أول تقييم حقوقي صادر عن المنظمة المغربية لحقوق الإنسان يكشف صورة مختلفة تماماً: إصلاحٌ تقنيّ في المظهر، ومحافظةٌ بنيوية في الجوهر.
النصّ تغيّر، لكن الفلسفة التي تحكم العلاقة بين الدولة وحرية الأفراد ما زالت كما هي، وهو ما يعيد إنتاج التوتر القديم بين قوة السلطة الإجرائية وضعف الضمانات، وبين خطاب الإصلاح وواقع المساطر، وبين نصّ دستوري متقدم وممارسة تشريعية تخشى المغامرة الحقيقية.
أولى ملاحظات المنظمة تتجه إلى الديباجة التي ظلت تقنية وباهتة ولم تعكس روح دستور 2011. فالنص لم يتبنّ بشكل واضح مبادئ أساسية مثل الحق في الصمت، والمجانية، والتعويض عن الخطأ القضائي، كما خلا من الربط الصريح بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
وهذه ليست تفاصيل لغوية، لأن الديباجة تمنح القانون بوصلته القيمية، وحين تفقد هذه البوصلة يصبح النص قابلاً للتأويل الواسع لصالح السلطة وليس لصالح المواطن.
أما على مستوى الحراسة النظرية، فالإشكال لم يكن في مدة الاحتفاظ بقدر ما كان في الرقابة على هذا الإجراء الحساس.
فالتعديلات لم تُقيد بما يكفي السلطة التقديرية لضباط الشرطة القضائية، ولا تزال صعوبة ولوج الدفاع للمحاضر في الوقت المناسب قائمة، فضلاً عن غياب تعليل صارم يبرر اللجوء إلى هذا الإجراء.
المنطق السائد ما زال هو منطق الضبط أكثر من منطق الحرية التي يفترض أن تكون الأصل.
وينسحب الأمر نفسه على الاعتقال الاحتياطي، الذي يفترض دستورياً أن يكون استثناء، بينما لا يزال في الممارسة أقرب إلى قاعدة.
مدد طويلة، وتعليلات ضعيفة، وغياب فعال لطرق الطعن، ومحدودية البدائل مثل السراح المشروط أو المراقبة الإلكترونية، كلها عوامل تجعل من الاعتقال الاحتياطي عقوبة قبل المحاكمة.
وهو وضع يتعارض مع افتراض البراءة، ومع مبدأي التناسب والضرورة اللذين يشكلان أساس المحاكمة العادلة.
وتبرز الإشكالات أيضاً في المادة 139، وخصوصاً فقرتها التي تمنع الدفاع من نسخ وثائق الملف في المراحل المبكرة.
هذا التقييد لا ينسجم مع المادة 120 من الدستور، ولا مع اجتهادات محكمة النقض، ولا مع المعايير الدولية التي تعتبر حق الاطلاع أحد أعمدة المحاكمة العادلة.
فالحرمان من نسخ الملف في بداية المسطرة يُضعف الدفاع، ويجعل المساواة بين الأطراف مجرد شعار لا أثر له في الممارسة.
أما مسطرة التسليم، فهي الأخرى تعاني غياباً واضحاً لمعايير الحماية من سوء المعاملة.
فالنص الجديد لم يعتمد بروتوكولاً مستقلاً لتقييم المخاطر، ولم ينشئ آلية رقابية خارج السلطة التنفيذية، ولم يتبنَّ المعايير الدولية التي تستوجب فحصاً فردياً دقيقاً قبل اتخاذ القرار.
وهذا يضع المسطرة في حالة تعارض مع التزامات المغرب الدولية، خاصة اتفاقية مناهضة التعذيب التي تشترط تقييم “الخطر الحقيقي” بشكل مستقل ومحايد.
غير أن النقطة الأكثر حساسية تبقى هي المادة 3 المتعلقة بالجرائم المالية، والتي أثارت جدلاً واسعاً لأنها تقلّص من اختصاص القضاء في ملاحقة جرائم المال العام.
هذا التعديل يطرح إشكالات تتعلق بالفصل 107 من الدستور وباستراتيجية مكافحة الفساد، ويضع شروطاً شبه مستحيلة كالحديث عن “التلبس” في نوع من الجرائم التي لا تُكتشف بهذه الطريقة أصلاً.
وهكذا يتحول الفساد من جريمة عمومية إلى نزاع إداري، وتفقد النيابة العامة جزءاً من دورها الدستوري في حماية المال العام ومراقبة تدبيره.
ويتعمق أثر هذا التراجع مع الحد من إمكانية انتصاب الجمعيات كطرف مدني، ما يقلّص مساهمتها في الرقابة المواطِنة وفي تتبع الانتهاكات، ويضعف واحدة من أهم آليات الديمقراطية التشاركية التي جاء بها دستور 2011.
فالمجتمع المدني في التجارب المقارنة جزء من الحل، بينما القانون الجديد يختار تقليص دوره بدل تعزيزه.
ويضاف إلى ذلك التناقض الواضح بين خطاب الرقمنة وممارسة العدالة.
فالديباجة تتحدث عن رقمنة شاملة للإجراءات، بينما الواقع لا يزال ورقياً في سجلات الحراسة النظرية، وفي التبليغات، وفي تتبع الملفات، وفي غياب منصة موحّدة تُسهّل على المتقاضين والدفاع مراقبة المساطر. والرقمنة هنا ليست ترفاً تقنياً، بل أداة للشفافية وحماية الحقوق ومحاربة الفساد، وغيابها يجعل أي إصلاح إجرائي هشّاً مهما كانت نواياه.
المحصلة النهائية أن القانون الجديد يمثل خطوة مهمة، لكنه خطوة تحتاج إلى خطوات أخرى أكثر جرأة.
فلا حماية فعلية للحقوق بدون رقابة فعالة على إجراءات الحرمان من الحرية، ولا قضاء مستقل في المال العام مع وجود شروط تعسّر المتابعة، ولا محاكمة عادلة مع تقييد حق الدفاع، ولا ديمقراطية تشاركية مع تراجع دور المجتمع المدني، ولا تحديث للعدالة بدون رقمنة حقيقية تتجاوز الشعارات.
إنه تحديث للنصوص وليس تحديثاً للفلسفة.
إصلاحٌ يحسّن الشكل، لكنه لا يعيد النظر في العلاقة الجوهرية بين الدولة والمواطن، ولا يضع الحق في مستوى يعادل السلطة.
الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى شجاعة تشريعية أكبر، وإلى رؤية تعتبر أن العدالة ليست مجرد مساطر، بل ضمانات حقيقية تُمارَس ولا تُكتَب فقط.
