The HCP Counts the Gains… While Reality Dismantles the Story
تعود المندوبية السامية للتخطيط، مرة أخرى، لتعرض أمام الرأي العام لوحة اقتصادية مطمئنة تُبشِّر بتحسّن القدرة الشرائية للأسر المغربية، وكأن البلاد طوت صفحة الغلاء وأغلقت قوس الأعوام الثقيلة التي أنهكت الدخل وأجهزت على الادخار.
غير أن القراءة المتأنّية لهذه الأرقام تُفضي إلى سؤال جوهري يتجاوز حدود التقنية الإحصائية: هل نقيس القدرة الشرائية كما تعيشها الأسر… أم كما تُصاغ داخل تقارير المندوبية؟
تتحدث المندوبية عن ارتفاع القدرة الشرائية بـ5,1 نقاط، وعن تضخم لم يتجاوز 0,9% سنة 2024. وهي أرقام منضبطة ضمن معايير قياس محددة، لكنها لا تخبرنا إلا جزءاً صغيراً من الحقيقة.
فالسؤال ليس: ماذا وقع في المؤشر؟ بل: ماذا وقع في الواقع؟
فبينما تُظهر الجداول تحسناً في المؤشرات، لا يلمس المواطن في واقعه اليومي أثراً لهذا التحسّن. الأسعار التي ارتفعت في السنوات الماضية بقيت معلّقة في مستوياتها العليا، وكلفة المعيشة ما زالت تتقدم بثبات، والادخار لا يزال حلماً مؤجلاً لدى أغلب الأسر.
وتكشف المندوبية، أيضاً، عن ارتفاع الدخل المتاح للأسر إلى 1.059 مليار درهم، بزيادة 6,7%، وعن مساهمة الأجور بنسبة 45,3%.
غير أنّ هذه النسب تخفي معطى بالغ الدلالة: 17,6% من هذا الدخل تلتهمه الضرائب والمساهمات الاجتماعية قبل أن يصل إلى جيب المواطن.
وما يُقدَّم باعتباره “تحسّناً في الدخل” لا يتحقق منه في الواقع إلا جزء محدود، بينما يعود الجزء الأكبر إلى الخزائن لا إلى الأسر.
ثم إن الأجر الذي يرتفع في جداول الحساب ليس بالضرورة هو الأجر الذي يشعر به العامل أو الموظف. فالفوارق الاجتماعية، وتباينات الجهات، واتساع الهوّة بين الفئات، تجعل من “المعدل العام” رقماً أقرب إلى التجميل منه إلى التمثيل الواقعي.
أما نسبة الاستهلاك التي بلغت 89,2% من الدخل المتاح، فتكشف جانباً أكثر وضوحاً: أغلب الأسر تعيش على حافة ميزانية لا تترك للادخار سوى 11,3%، وهي نسبة لا تعكس إطلاقاً وضع الفئات المتوسطة والدنيا التي يظل الادخار بالنسبة إليها ترفاً لا قدرة على ممارسته.
الأرقام التي تُعلنها المندوبية لا تفتقر إلى الدقة، لكنها تفتقر إلى الاكتمال. فهي تحسب القدرة الشرائية وفق مقاربة تقنية، بينما تتشكل القدرة الشرائية في الواقع من منظومة أعقد بكثير: أسعار السكن، كلفة النقل، غلاء المواد الغذائية، مصاريف التعليم والصحة، وثقل الضرائب المباشرة وغير المباشرة.
وكلّها عناصر لا تنخفض بمجرد تراجع التضخم، ولا تتحسن بارتفاع “متوسط” الدخل.
لهذا يتكرر المشهد ذاته كل عام: المندوبية تُعلن تحسّناً… والواقع يُعلن العكس.
تتحسن الأرقام… لكن الحياة لا تتغير. يرتفع الدخل في التقارير… ويضيق في المحفظة. يرتفع المتوسط… وتتراجع القدرة.
فالحقيقة التي تتجنب المندوبية قولها أن التحسن إن وُجد يبقى جزئياً وغير موزع بعدالة.
أما الأغلبية الساحقة من المواطنين، فلا تقرأ المؤشرات الاقتصادية، بل تقرأ الأسعار عند صندوق الأداء، وتقرأ أثقال المعيشة في نهاية كل شهر. وهناك، لا تجد أثراً لـ5,1 نقاط… ولا حتى لنقطة واحدة.
