A Faceless Scandal: Who Dares to Reveal the Owners of the Escaping Millions?
لم تكن الفضيحة المالية المرتبطة بتهريب ما يناهز 270 مليون درهم مجرد رقم عابر في سجلات التحويلات الدولية.
لقد تحولت إلى مرآة عاكسة لبنية اقتصادية ملتبسة، وإلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على مواجهة المال الكبير حين يختبئ خلف واجهات الشركات، والأوفشور، والتحويلات المعقدة.
المعطيات الأولية تشير إلى أن الإشعارات الأوروبية لم تكتفِ بوصف العملية كتلاعب محاسبي، بل قدّمت صورة متكاملة عن مسارات الأموال التي عبرت شركات مسجلة في الجزر العذراء البريطانية وكايمان وسياقات مشابهة، عبر فواتير مورّمة وخدمات صورية ومسارات مالية دقيقة لا تُبنى إلا بمعرفة قانونية قوية وشبكات نفوذ متعددة المستويات.
ومع ذلك، ورغم وضوح التقنية، غابت الأسماء تماماً، وكأن العملية تمت من طرف أشباح لا من طرف فاعلين اقتصاديين من لحم ودم.
السبب في هذا الغياب ليس بريئاً، فالنظام الأوروبي الخاص بالإشعارات المالية يبلغ عن العمليات المشبوهة ولا يذكر هويات المتورطين إلا بعد فتح مسطرة قضائية مشتركة، ما يجعل مهمة الكشف النهائي مسؤولية الدولة الأصلية.
أما مكتب الصرف المغربي، فسلطته محدودة بالنصوص: يمكنه تفكيك المسارات، رصد الخروقات، تسجيل الفواتير المنتفخة، لكن لا يمكنه قانونياً نشر أسماء أي طرف قبل صدور حكم قضائي نهائي.
وهنا تتحول حماية المعطيات الشخصية من آلية قانونية إلى جدار سميك يمنع وصول الحقيقة إلى الرأي العام.
والمقلق أن هذا الجدار لا يخدم سوى طرف واحد: أصحاب الملايين الذين يستطيعون تسوية ملفاتهم في صمت، بينما تطبق الدولة أقصى درجات الصرامة حين يتعلق الأمر بمواطن بسيط ارتكب خطأ في تصريح جمركي لا تتجاوز قيمته بضعة آلاف من الدراهم.
هذه الازدواجية لا تُقرأ قانونياً فقط، بل سياسياً أيضاً: الدولة، حين يتعلق الأمر بالمال الكبير، تصبح حذرة بشكل يدعو إلى التساؤل ليس لأنها عاجزة، بل لأنها تعرف أن الاقتراب من بعض الملفات يعني الاصطدام بشبكات نفوذ تتداخل مع مصادر القرار، وتختلط فيها المصلحة الاقتصادية بالحماية السياسية.
ولهذا السبب، فعدم نشر الأسماء ليس نقصاً في المعلومات، بل اختيار مؤسساتي، أسماء كبار الفاعلين موجودة اليوم في تقارير التحقيق، وموجودة في المراسلات المتبادلة بين المغرب والهيئات الأوروبية، لكنّ خروجها إلى العلن يعني فتح الباب على أسئلة أكبر: من سهّل؟ من غضّ الطرف؟ من استفاد من الهندسة المالية؟ ومن يملك ما يكفي من القوة ليهرّب ملايين الدراهم دون أن تهتز شعرة في المؤسسات التي تعلن أنها تحارب الفساد والتهرب المالي؟
هنا بالضبط يظهر التوتر بين الخطاب الرسمي والعمل الفعلي، الدولة ترفع شعار الشفافية، لكنها لا تمتلك الجرأة الكاملة لتطبيقه حين يمسّ طبقات المال والنفوذ.
تُعلن محاربة غسيل الأموال، لكنها تتحرك بشكل محسوب حين تصل الخيوط إلى شخصيات ذات وزن اقتصادي. تتحدث عن تخليق الحياة العامة، لكن الملفات الكبرى تُعالج دائماً بعيداً عن الأنظار، عبر تسويات، أو غرامات مالية، أو صمت متبادل يعود بالفائدة على الجميع… باستثناء المواطن الذي يسمع الأرقام ولا يرى الوجوه.
الحقيقة أن فضيحة 270 مليون درهم ليست حادثة معزولة، بل نموذج يختصر بنية اقتصادية تقوم على التفاوت في تطبيق القانون.
حين يخطئ الضعفاء، القانون حاضر، وحين يخطئ الأقوياء، تُفتح هوامش المناورة لذلك، ستظل الأسماء مخفية لا لأن التحقيق ناقص، بل لأن الكشف الحقيقي يحمل كلفة سياسية، اقتصادية، وربما مؤسساتية لا يبدو أن الدولة مستعدة لتحملها اليوم.
ومع مرور الوقت، سيتضح أكثر أن القضية ليست فقط عن ملايين هُرّبت، بل عن نظام كامل يسمح بهذا النوع من العمليات أن يقع أصلاً.
أما أهم سؤال اليوم فهو: هل الدولة راغبة فعلاً في كشف كل شيء… أم أن حدود تدخلها مرسومة سلفاً عند عتبة المال الضخم؟
