Between the Talkative Minister and the Silent Judiciary… Where Is the Compass Pointing?
لم تعد اجتماعات لجنة العدل مجرد لحظات بروتوكولية، بل تحولت تدريجياً إلى نوافذ تكشف ما يجري خلف جدران السلطة الهادئة.
وخلال اجتماع لجنة العدل بمجلس النواب، اليوم الثلاثاء، المخصّص للبت في التعديلات على مشروع القانون رقم 28.25 المتعلق بإحداث وتنظيم مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية للقضاة وموظفي السلطة القضائية، بدا عبد اللطيف وهبي كما لو أنه قرر أن يخلط السياسة بالفلسفة وبالاعتراف الشخصي دفعة واحدة، حين قال بلا تردد: “مشكلتي أنني لا أعرف كيف أسكت.”
جملة خفيفة في ظاهرها، لكنها تفتح الباب على موضوع ثقيل يرتبط بموقع وزير العدل داخل المنظومة التي تغيّرت منذ فصل النيابة العامة عن الوزارة سنة 2017.
وهي جملة تعيد إلى الواجهة سؤال التوازن بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، وحدود كل مؤسسة داخل المشهد الدستوري الجديد.
وخلال المداخلة نفسها، لمّح وهبي إلى أن استقلالية النيابة العامة ليست بالضرورة خياراً نهائياً، مشيراً إلى أن دولاً أخرى تعيد النظر في هذا التوجه، مضيفاً أن المغرب بدوره “قد يرى ما يفعل مستقبلاً”.
عبارة قصيرة لكنها كافية لفتح نقاش كبير حول ما إذا كانت التجربة في حاجة إلى تقييم هادئ، أم أن الإحساس بكلفة هذا الفصل بدأ يتسع داخل مؤسسات الدولة.
وبدا وهبي مصمماً على رسم جدار عازل بين وزارته والقضاة، مؤكداً أنه لا يريد أي علاقة مباشرة معهم، وأن كل الطلبات يجب أن تمر عبر الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.
ويقدم الوزير هذا الاختيار باعتباره حماية لمفهوم الاستقلالية، لكنه في الآن نفسه يكشف عن هشاشة في العلاقة حين تمتد الحساسية إلى أبسط التفاصيل، من توزيع الحواسيب إلى تسليم سيارات الخدمة.
وقال وهبي بصراحة غير مألوفة إن أي تدخل مباشر منه قد يُقرأ كامتياز أو “رشوة”، لذلك يفضّل أن تشتري الوزارة السيارات دون أن تلمس مفاتيحها، وأن تتكفل بالصيانة دون أن تتحمل مسؤولية من يستفيد منها.
وهنا يظهر الخيط الرفيع بين استقلالية ضرورية وقطيعة تُفرض تفادياً لأي تأويل سياسي أو إداري.
وفي لحظة مازحة وسط النقاش، قال وهبي إنه لو كان نائباً برلمانياً “لأثار هذا الموضوع”، قبل أن يخاطب أحد النواب قائلاً: “لهلا يجيبك بلاصتي… أول درس غتتعلم هو الصمت.”
لكن المفارقة أنه نفسه يعترف بأنه لا يعرف كيف يسكت، وهو ما يجعل تصريحاته دائماً أقرب إلى ما يفكر فيه صانع القرار، أكثر مما تسمح به اللغة الرسمية.
وأوضح الوزير أيضاً أنه حذف قسم القضاة من الوزارة ومنع موظفيه من التواصل المباشر معهم، معتبراً أن “الباب اللي كيجي منو الريح… يتسد.”
وحتى في النقاش المتعلق بـ“باركينغ” محكمة الرباط، ظل وفياً لقاعدته: القرار يعود للسلطة القضائية، الأداء تتكلف به الدولة، والوزارة لا تتجاوز حدود ما يسمح به النص.
في النهاية، يتضح أن وهبي لا يناقش فقط مؤسسة اجتماعية للقضاة، بل يناقش فلسفة كاملة تحكم توازن السلطة القضائية في المغرب.
وبين اعترافه بأنه “ما كيعرفش يسكت” وإصراره على قطع أي علاقة مباشرة مع القضاة، يظل السؤال قائماً:
هل يتحدث وزير العدل من موقع مؤسسي مقيّد دستورياً، أم يلمّح إلى أن استقلال النيابة العامة أعاد تشكيل الخريطة المؤسساتية بأكثر مما كان متوقعاً؟
