When the Hidden Breaks Into the Open… and “Mediation” Emerges as a Mirror of an Entrenched Political Mindset
لم تكن لحظة الأربعاء مجرد سجال تلفزيوني بين بنسعيد وأخشيشن، بل كانت اختراقاً عابراً لسطح الصورة؛ لحظة انفلت فيها المستور في مشهد لم يتوقع أحد أن يظهر بهذا الوضوح، وكأن الكواليس قررت فجأة أن تتكلم على الملأ.
لم يكن ما حدث في برنامج “مباشرة معكم” مساء الأربعاء علي القناة التانية (2M)مجرد اختلاف في وجهات النظر بين وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد مهدي بنسعيد، ورئيس النقابة الوطنية للصحافة عبد الكبير أخشيشن.
لقد كانت اللحظة أثقل من محتوى النقاش، وأعمق من حدود الكلمات المتبادلة؛ كانت نافذة سريعة انفتح فيها الهامش على المتن، وظهر ما يُقال عادة خلف الأبواب المغلقة على مرأى الجمهور.
فحين خاطب الوزير ضيفه بالقول: “عيطتي ليا ودخل ليك واحد الأخ باش تجي عندي”، لم يكن يقدّم تفصيلاً بروتوكولياً، بل كان يدفع إلى السطح عن قصد يبدو جلياً طبيعة شبكة العلاقات التي تتجاوز المساطر وتتحرك خارج القنوات الرسمية.
العبارة نُطقت في لحظة توتر، وفي سياق لا يسمح بالارتجال، ولذلك فقد بدت جملة مشحونة تحمل وظيفة سياسية أكثر مما تحمل معنى وصفياً.
وموقع الجملة داخل الحوار لا يقل دلالة عن مضمونها؛ فقد جاءت كأداة لإعادة ترتيب ميزان القوة داخل النقاش، ووضع رئيس النقابة في موقع دفاعي، عبر الإيحاء بأن الوصول إلى المسؤول الحكومي لا يتم عبر المؤسسات، بل عبر “الأخ”. ليست المسألة مجرد إحراج عابر، بل استثمار دقيق لمعلومة من الكواليس لانتزاع تفوّق رمزي في لحظة بثّ مباشر.
وخطورة العبارة لا تنبع من مضمونها فحسب، بل من كونها صادرة عن وزير يشرف على قطاع يُفترض أنه بوابة الشفافية، وحارس قواعد المساواة في الولوج إلى المعلومة، وشريك رئيسي للصحافة المغربية.
فإذا كان المسؤول الأول عن التواصل المؤسساتي يعترف، من دون تردد، بأن العلاقات الخاصة قد تتقدّم على المساطر، فكيف يمكن إقناع الفاعلين الآخرين بأن المؤسسة تعمل بآليات موضوعية ومتساوية؟ وكيف يستقيم خطاب الاحترافية مع ممارسة تكشف ولو من حيث الرمزية أن القنوات الموازية ما تزال فاعلة وحاضرة؟
لقد بدا واضحاً أن الجملة لم تُحرج أخشيشن وحده، بل حرّكت أسئلة أعمق تتعلق ببنية العلاقة بين السلطة والهيئات المهنية، وبمدى قدرة النظام الإداري على القطع مع ثقافة الولوج عبر الأشخاص لا عبر المؤسسات.
إنها لحظة صغيرة في ظاهرها، لكنها تضع الأصبع على إشكال بنيوي ظل طويلاً في خانة المسكوت عنه: وجود قنوات غير رسمية يمكن أن تتحول، عند الحاجة، إلى ورقة تفاوضية أو أداة لتسجيل حضور سياسي.
وفي سياقات تُعتبر فيها الشفافية معياراً للثقة العمومية، تكفي عبارة واحدة لإطلاق نقاش واسع حول طرق التواصل، وحدود السلطة، والمعايير التي تُدار بها العلاقة بين الدولة والمهنيين.
أما هنا، فقد جاءت الصدمة من كون العبارة قيلت بثقة، ومن دون أي محاولة لتلطيفها أو تأطيرها، كما لو أن الأمر طبيعي لا يستدعي حتى التوقف.
لقد كانت اللحظة التلفزيونية بمثابة شقّ دقيق في جدار الخطاب الرسمي، شقّ كشف ما وراءه: أن تصور “الباب المفتوح” ما يزال مرتبطاً، في مخيال بعض المسؤولين، بالأشخاص لا بالمؤسسات، وبالعلاقات لا بالقواعد.
وإذا كان البرنامج قد جمع وزيراً ونقيباً، فإن الجملة التي نُطقت فوق الطاولة فتحت نقاشاً أبعد من حدود الاستوديو؛ نقاشاً يتعلق بمستقبل المهنة، وبطبيعة الدولة التي نريدها، وبالسؤال الجوهري الذي يعيد نفسه كلما ظهر ما لا يُفترض أن يظهر:
هل تجاوزت الإدارة المغربية فعلاً عقلية “الأخ”؟ أم أن المساطر، مهما بدت متينة، ما تزال تقف عند حدود ما يُمارس في الظل؟
ما وقع لم يكن زلة لسان، بل كان لحظة انكشاف؛ لحظة تلتقي فيها اللغة بالممارسة، وتظهر فيها المسافة الفاصلة بين الخطاب الرسمي وما يجري في الكواليس… ولو لثوانٍ قليلة.
ولعلّ ما يعطي للجملة وقعها الحقيقي هو أنها لم تصدر في لحظة غضب، بل في لحظة سلطة.
وهناك فقط يتضح المعنى: لم تكن العبارة حادثاً معزولاً، بل نافذة صغيرة على منظومة أكبر، ما تزال فيها “الوساطة” قادرة على الصعود إلى الواجهة كلما ضاقت المسافة بين منطق المؤسسة ومنطق العلاقات.
