Bensaid Under the Party Umbrella: When Press Reform Turns into Political Defense
مرة أخرى، يتقدّم حزب الأصالة والمعاصرة إلى واجهة النقاش العمومي مدافعاً عن وزير الشباب والثقافة والتواصل، مهدي بنسعيد، في سياق الجدل المتواصل حول مشروع إصلاح المجلس الوطني للصحافة.
وهي خطوة تثير تساؤلات مشروعة حول حدود التداخل بين ما هو سياسي وما هو مهني، وحول ما إذا كان النقاش المتعلّق بتنظيم قطاع مستقل يُدار بمنطق الحوار المؤسّساتي أم بمنطق الحماية الحزبية.
فبدل أن يقدّم الوزير بنفسه أجوبته عن الانتقادات المهنية المثارة، جرى استدعاء الخطاب الحزبي لتأطير النقاش، وإعادة تصنيفه باعتباره “تصفية حسابات سياسية” كلما خرج عن المسار المرسوم.
وهو تأطير لا يكتفي بالردّ، بل يسعى إلى نزع الطابع المهني عن الأسئلة المطروحة، وتحويلها إلى جزء من صراع سياسي أوسع.
بلاغ الحزب، في هذا السياق، بدا أقرب إلى محاولة لاحتواء النقاش العمومي أكثر من السعي إلى إغنائه، إذ جرى اختزال ملاحظات مهنية مشروعة في توصيفات من قبيل “الهجوم” و”خلط الأوراق”.
وهو توصيف يوحي بأن الصحافيين والفاعلين في القطاع ليسوا أطرافاً معنية بمستقبل مهنتهم ومؤسساتهم، بل مجرّد أدوات داخل مواجهة سياسية لا تعكس حقيقة النقاش الدائر.
ويكفي، في هذا الإطار، التذكير بأنّ عدداً من الفاعلين المهنيين نبّهوا إلى خطورة تدبير الخلافات المرتبطة بإصلاح المجلس الوطني للصحافة بمنطق “الوساطة” والكواليس، بدل فتح نقاش مهني علني داخل الأطر الطبيعية للمهنة.
فحين يُستبدل الحوار المؤسّساتي المباشر بقنوات غير رسمية، يُفرَّغ مبدأ التنظيم الذاتي من محتواه، ويُختزل الخلاف المهني في علاقات قوة لا تخدم لا الإصلاح ولا استقلالية الجسم الصحفي.
ويزداد هذا الالتباس حين يتحدّث الحزب عن “شجاعة الوزير” و”نَفَس جديد للإصلاح”، في وقت كان من الأجدر ترك المشروع يواجه الأسئلة المهنية الحقيقية داخل فضائه الطبيعي: غرف التحرير، الهيئات التمثيلية، والنقاشات المفتوحة بين الصحافيين الممارسين.
فإصلاح قطاع يُفترض فيه الاستقلال لا يستقيم حين يُدافع عنه من داخل مكاتب سياسية.
غير أنّ الإشكال الأعمق لا يكمن في الدفاع الحزبي في حد ذاته، بل في ما ينطوي عليه من محاولة لنزع الشرعية عن النقاش الصحفي.
فحين يُصوَّر النقد المهني بوصفه “افتعالاً للمواجهة”، يصبح الاختلاف عبئاً، وتتحوّل مساءلة القرارات المؤثرة في مستقبل المهنة إلى سلوك يُنظر إليه بريبة، بدل اعتباره ممارسة صحية وضرورية داخل أي مسار إصلاحي.
وتبرز هنا مفارقة لافتة: الدعوة إلى “إبعاد المقاربات السياسية الضيقة” تُرفق، في الآن نفسه، بتدخّل سياسي مباشر في مسار إصلاح مؤسسة مهنية.
وهو تناقض يطرح تساؤلات جدية حول مدى احترام مبدأ التنظيم الذاتي، الذي يُفترض أن يشكّل الأساس الصلب لأي إصلاح حقيقي لمنظومة الصحافة.
إنّ إصلاح المجلس الوطني للصحافة، مهما اختلفت المواقف بشأنه، يظل شأناً مهنياً بالدرجة الأولى. فهو يهمّ الصحافيين قبل الوزراء، والفاعلين في القطاع قبل الأحزاب.
وأي انخراط سياسي متحمّس في هذا الورش لا يخدم الإصلاح بقدر ما يضاعف الشكوك حول خلفياته، ويحوّل نقاشاً مهنياً ضرورياً إلى سجال سياسي عقيم.
لقد آن الأوان لترك هذا المسار بين أيدي من يمتلكون الشرعية المهنية والمعرفة اليومية بتحديات العمل الصحفي.
فإصلاح منظومة الصحافة لا يحتاج إلى بلاغات حزبية متوترة، بل إلى حوار حقيقي، وشفافية كاملة، واحترام صريح لحق المهنيين في الاختلاف، دون تخوين أو تسييس.
