Where Did the 4.11 Billion Dirhams Allocated to Flood Prevention Go Under the Supervision of the Interior Ministry?
لم تعد الفيضانات التي تضرب عدداً من المدن المغربية أحداثاً طبيعية معزولة، بقدر ما تحوّلت إلى مؤشر مقلق على اختلالات بنيوية في تدبير المخاطر والوقاية، خصوصاً حين تتكرّر الخسائر البشرية والمادية، رغم الخطاب الرسمي المتواصل حول اعتماد مقاربة استباقية ورصد اعتمادات مالية مهمة لمواجهة هذا النوع من الكوارث.
كشفت مصادر إعلامية أن الفيضانات التي شهدتها مدينة آسفي، وما خلّفته من خسائر بشرية ومادية، أعادت إلى الواجهة ملفاً ظل حاضراً في الخطاب الحكومي خلال السنوات الأخيرة، ويتعلّق بالأموال العمومية التي خُصصت لمواجهة مخاطر الفيضانات.
ويتعلق الأمر، حسب معطيات رسمية، بغلاف مالي بلغ 4,11 مليارات درهم، رُصد على مدى عدة سنوات في إطار برامج متعددة، وُجّهت لتمويل مشاريع وقائية عبر مختلف جهات المملكة، بهدف حماية الأرواح والممتلكات والأنشطة الاقتصادية.
في هذا السياق، سبق لوزير الداخلية عبد الوافي لفتيت أن أكد، في جواب عن سؤال كتابي بمجلس النواب، أن السلطات العمومية تولي أولوية كبرى لمخاطر الفيضانات، بالنظر إلى ما تُسببه من خسائر بشرية ومادية جسيمة، خاصة بالمناطق الهشة وغير القادرة على مواجهة هذا النوع من الظواهر الطبيعية.
وأوضح أن الدولة اعتمدت مقاربة وقائية استشرافية تقوم على الرصد واليقظة والإنذار المبكر، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية، من قبيل وكالات الأحواض المائية، والمديرية العامة للأرصاد الجوية، والمركز الملكي للاستشعار البعدي الفضائي، إلى جانب إطلاق أنظمة جديدة لليقظة الرصدية ومشاريع لتجميع وتحليل المعطيات المرتبطة بالمخاطر الطبيعية.
وحسب المعطيات الرسمية ذاتها، تم في إطار هذه المقاربة برمجة أزيد من 250 مشروعاً لمواجهة مخاطر الفيضانات، من بينها 197 مشروعاً تم تمويلها فعلياً، تضم 127 مشروعاً هيكلياً و70 مشروعاً غير هيكلي، شملت الدراسات ومخططات الحماية، وأنظمة التتبع والإنذار، وخرائط قابلية التعمير، وذلك ضمن برنامج التدبير المندمج لمخاطر الكوارث الطبيعية المعتمد منذ سنة 2016.
وقد بلغت الكلفة الإجمالية لهذه المشاريع 4,11 مليارات درهم، ساهم فيها صندوق محاربة آثار الكوارث الطبيعية بالثلث، إضافة إلى تمويل مشاريع نموذجية، من بينها نظام مندمج للمساعدة على تدبير مخاطر الفيضانات بغلاف مالي يفوق 32 مليون درهم.
غير أن تكرار مشاهد الغرق، وآخرها بآسفي، يبرز فجوة واضحة بين حجم الاعتمادات المرصودة والنتائج الميدانية المحققة.
فالقوانين المؤطرة موجودة، والبرامج معتمدة، واللجان مفعّلة، غير أن أثر هذه المنظومة على تقليص الخسائر يظل محدوداً، ما يعكس إشكالاً في التنزيل الترابي، وتتبع الأشغال، وصيانة المنشآت بعد إنجازها، إضافة إلى ضعف تقييم الأثر الحقيقي لهذه المشاريع على أرض الواقع.
الأخطر من ذلك، أن مقاربة تدبير مخاطر الفيضانات لا تتوقف عند حدود الوقاية، بل تمتد إلى إدراج بنود خاصة بالتعويض عن الخسائر ضمن منظومة التدخل بعد الكوارث.
ومن حيث المبدأ، يظل التعويض حقاً مشروعاً للمتضررين، غير أن الإشكال يبرز حين يتحوّل إلى عنصر شبه دائم في السياسة العمومية، بدل أن يبقى إجراءً استثنائياً مرتبطاً بظروف خاصة وفشل ظرفي.
وتشير معطيات متداولة في عدد من النصوص التنظيمية المؤطرة لمساطر التعويض، إلى اعتماد شروط زمنية صارمة قد تجعل الاستفادة من التعويض شبه مستحيلة في الواقع العملي، من بينها اشتراط بلوغ عتبة زمنية تقارب 500 ساعة من الفيضانات، أي ما يعادل أكثر من 21 يوماً من التأثر المتواصل، للاعتراف بحالة الكارثة المؤهلة للتعويض.
هذا الشرط، وإن قُدِّم في إطار تقني، لا ينسجم مع طبيعة الفيضانات التي يشهدها المغرب، حيث تقع الكوارث في مدد زمنية قصيرة لكنها تخلّف خسائر جسيمة في الأرواح والممتلكات.
وهو ما يجعل آلية التعويض، بصيغتها الحالية، غير قادرة على الاستجابة الفعلية لانتظارات المتضررين، ولا على مرافقة سياسة وقائية يُفترض أن تُقلّص، في الأصل، الحاجة إلى التعويض.
وتبعاً لذلك، يظل ملف الفيضانات بالمغرب نموذجاً دالاً على ضرورة الانتقال من تدبير آثار الكوارث إلى تثبيت سياسات وقاية ناجعة، تُقاس بقدرتها على حماية الأرواح والممتلكات، وبنجاعة تنزيلها الميداني، لا بعدد المشاريع المعلَن عنها أو حجم الاعتمادات المرصودة.
