RNI Meeting in Tangier: When Bourgeois Political Discourse Speaks in the Name of All
عقد المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار اجتماعه بمدينة طنجة، أمس الجمعة 19 دجنبر 2025، في سياق اجتماعي واقتصادي متوتر، غير أنه اختار أن يقدّم قراءة هادئة، مطمئنة، ومتماسكة في ظاهرها.
غير أن هذه القراءة، عند تفكيك خطابها ومضامينها، تكشف بوضوح ملامح السياسة البورجوازية كما تَشَكَّلت في التجربة الحكومية الحالية: خطاب يُدار بالأرقام، ويُسوَّق بمنطق الإنجازات، ويُخفِّف من حدّة الواقع بدل مساءلته.
ينطلق هذا الخطاب، في الغالب، من الأعلى: تعزية، تعليمات ملكية، برامج إعادة تأهيل، قبل أن ينتقل بسرعة إلى عرض الجهود الحكومية، دون التوقف عند محطات محاسبة السياسات السابقة أو تقييم اختيارات التدبير.
إنها مقاربة ترى في الدولة جهاز استجابة لا جهاز وقاية، وتتعامل مع الأزمات باعتبارها أحداثًا طارئة، لا نتائج لتراكم اختلالات بنيوية في التخطيط والحكامة.
في هذا السياق، لا تبدو جولة “مسار الإنجازات” مجرد نشاط تواصلي عابر، بل تندرج ضمن منطق سياسي أوسع، يقوم على تحويل التواصل إلى بديل عن القرار، والاستماع إلى واجهة تُغني عن التغيير.
فسياسة القرب، كما تُقدَّم في هذا الخطاب، لا تُقاس بما تُحدثه من تصحيح فعلي في الاختيارات العمومية، بقدر ما تُقاس بقدرتها على تثبيت سردية النجاح، حتى في الحالات التي لا يشعر بها جزء واسع من المواطنين.
أما في الشق الاقتصادي، فيبرز جوهر السياسة البورجوازية بوضوح أكبر.
فالأرقام نمو الناتج الداخلي الخام، تراجع معدل التضخم، وخلق مناصب الشغل تُستعمل كدلائل كافية على “سلامة” النموذج المعتمد، دون طرح أسئلة توزيع الثروة، أو طبيعة هذا النمو، أو الفئات التي تستفيد فعليًا من هذا التحسن المعلن.
هنا، يُنظر إلى الاقتصاد من زاوية التوازنات الماكرو-اقتصادية، وكأن الاستقرار الرقمي يمكن أن يعوّض غياب الاستقرار الاجتماعي.
وفي الحديث عن الحوار الاجتماعي والزيادات في الحد الأدنى للأجور، يتكرس المنطق نفسه: إجراءات محسوبة، محدودة الأثر، تُقدَّم كإنجازات كبرى، في وقت يظل فيه الغلاء، وتآكل القدرة الشرائية، واتساع الهوة بين الدخول والأسعار، خارج أي تقييم سياسي صريح.
إنها سياسة تُدير التفاوت بدل أن تواجهه، وتُكيّف المجتمع مع الاختلال بدل أن تعمل على تصحيحه.
اللافت في هذا الخطاب أنه لا ينكر وجود الصعوبات، لكنه يُفرغها من بعدها السياسي، ويعيد تقديمها كإكراهات ظرفية أو سياقية، مرتبطة بالعوامل الدولية أو المناخية أو بتقلبات الأسواق.
وبهذا، تتحول السياسة البورجوازية إلى سياسة إدارة الواقع كما هو، لا سياسة تغييره: خطاب يُتقن لغة الاستقرار، لكنه يتحاشى لغة الصراع الاجتماعي، ويُفضّل التوافق مع منطق السوق على إعادة التوازن بين السوق والمجتمع.
بهذا المعنى، لا يقدّم اجتماع الأحرار بطنجة مجرد دفاع عن حصيلة حكومية، بل يعكس نموذجًا سياسيًا متكاملًا، يرى في الدولة مُيسِّرًا للاقتصاد أكثر مما هي ضامن للعدالة، وفي المواطن متلقيًا للخطاب أكثر مما هو شريكًا في القرار.
وبين هذا التصور المطمئن، والواقع الاجتماعي الذي يزداد تعقيدًا، تتسع الفجوة، ويترسخ الإحساس بأن السياسة، في صيغتها البورجوازية، لم تعد تُجيب عن سؤال من يستفيد؟ بقدر ما تُجيد تأجيل طرحه.
